
شريداً أتخفّى وأختلق المتعة،
من موجٍ اعتاد الحضور والغياب،
كأنه شريدٌ آخر يشبهني.
من يشتري مني أمواج البحر؟
صخبُها يزداد كلما كبرت،
وكأنها في زورقي تقيم حواجز الغيظ،
تملك قوتها، وتملك الشاطئ، وتملك البحر كلَّه.
وأنا أشبه بطحلبٍ ضالّ؛
ما يجرحني ويُدهشني،
رأيت أمواجاً لا يتشابه فيها النسيان مع الكذب،
فالكذب يحلّ قبل النسيان.
موجة تكذب أنها لن تعود،
وموجة تنسى أنها عادت.
وأنا فقدت السيطرة على قرار يتكرّر،
تركت الزورق معلّقاً بين التحرّر والانكسار،
ليعود طُعماً للشجر.
ووقفت في البحر،
أحاصر الأمواج وأدلّل على بضاعتي؛
لا سمكاً أبيع، ولا مرجاناً ميتاً،
الموج سلعتي.
ثروة لا تفنى، تتمدّد على وسائدها الرملية،
ولا تُرهق البحر بالأحلام.
سرمدٌ يسكن البحر،
ولا يسرقها عملاقٌ من جبابرةِ الحكايات،
حتى ولو كان السطوُ وقتها فرصةً للتملّكِ المزيف.
دعوت نورسينِ بجناحٍ مثقوب،
كأنهما يحملان أثر رحلة لم تكتمل،
وعيوناً زائغة ليحرسا الزبد،
ورجوت نخيلاً يحمل جوزاً ليمنح الموج عرشاً،
كأنما يُتوَّج ملكاً لا يستقر،
يختزل جمال الترف.
اطمئن أيها الشاري،
فلا وصاية للبحر على الأمواج،
والبحر يتمنى أن تنتحر الريح،
ويصير الموج شذرات كأنفاس الأسماك السعيدة،
تكتبها زعانف تشعر بالحرية.
فلا أحد يبكي هنا،
ولا حزن يطوف حول رقاب الحيتان،
وسلحفاة بطيئة تحك قوقعتها بذنب الحوت،
كأنها تمارس ثِقَلها الأزلي على مهل،
والبحر يراقبها بلا اكتراث.
فالوعي نفسُه يغرق حين يحاول فهم الموج،
ويصعد حين ينسى أنه وُلدَ من ماء قديم.
تتوالى عليه الأفراح والأحزان،
وكأن العمر الطويل لا يهمه سوى أن يكون عمراً،
وينسى أن الغباء ظل حكمة تتعب،
ومعركة لا ينجو منها العقل إلا إذا تخلّى عن يقين يشاركه القلق.
أنا البائع الوحيد والشاري الوحيد،
والموج يراني لا شيء.
سأبيع الموج للوعي،
لعلّه يتذكر أن الحقيقة ليست على الشاطئ،
بل على سارية زورق
لا يعرف إلى أين يمضي.
فأنا شريد في الزورق،
والسارية تنأى عن الصمت،
والموج وحده يعيد ترتيب الرثاء،
يقدّمني دليلاً
إلى وجود لا يكتمل،
وإلى طريق لا يَعِد بالوصول،
كأن البحر نفسَه
يبحث عن معنى
لا يعرفه أحد.
دريسدن – 03.06.2026