
فتحح باب سيّارته الفاخرة، وأغلق خلفه ضجيج السنوات، ثم اندفع نحو تلك الأمكنة القديمة… لا يفتأ يزورها كلّما تمدّد في صدره وجعٌ قديم، وكلّما شعر أنّ العالم يزداد اتساعًا من حوله فيما تضيق روحه على نفسها… وصل إلى ذلك السفح الممتد امتداد فقد أمه فيه..
كلّ الطرق التي سلكتها في حياتي كانت تؤدّي إلى أماكن باهتةإلا هذه الطريق وحدها؛ كانت تعيدني إلى البداية. إلى ريفنا الجبلي، حيث تركت أوّل ضحكة، وأوّل خوف، وأوّل دهشة أمام العالم.
ما إن تلوح الجبال من بعيد حتى أشعر أنّ شيئًا في داخلي يستيقظ. كأنّ القلب يحفظ تضاريس المكان أكثر ممّا تحفظها الخرائط. أعرف تلك المنعطفات قبل أن أصل إليها، وأعرف أين كانت تقف شجرة التين العتيقة، وأين كنا نجلس في المساءات الطويلة نراقب الغروب وهو ينسحب ببطء خلف السفوح…
أصعد السفح كمن يصعد نفسه الأخير..، فأشعر بغربةٍ خفيّة. السيارة فاخرة، والثياب أنيقة، والعمر مضى بعيدًا… لكنّ الأرض لا تعترف بكلّ ذلك. هنا لا قيمة لما جمعته من ألقاب أو نجاحات. هنا أعود ذلك الطفل النحيل الذي كان يركض بين الحقول حافيًا أحيانًا، ويعود إلى البيت مع أوّل نداءٍ من أمّه…
أمّي…
ما أعجب هذا الاسم حين يمرّ في القلب. أشعر أنّني لا أعود إلى سفوحنا القديمة من أجل الطبيعة أو البيوت أو الأشجار، بل من أجل صوت امي وحده. ما زلت أسمعه واضحًا رغم كلّ هذا الغياب. يأتيني من مكانٍ لا أعرفه، بين هبّات الريح، وبين صمت العصر، وبين ارتطام الذكريات ببعضها.
أسمعها تناديني باسمي كما كانت تفعل، فألتفت دون وعي، ثم أتذكّر أنّ الصوت لم يعد يسكن الدنيا، بل يسكنني أنا.
أمشي نحو البيت القديم.
لم يعد كما كان.. تهاوى كما تهاوت الروح.. ألمس الجدران وكأنّي أصافح زمنًا مضى. أتوقّف عند العتبة طويلًا. كم مرّة قفزتُ منها طفلًا؟ وكم مرّة جلستُ عليها أراقب ظلال النخيل وأحلم بعالمٍ أكبر من هذا الامتداد المقفر…
ثم تأخذني الذاكرة إلى المطبخ.
إلى ذلك التنّور الذي كانت أمّي توقظ فيه النار قبل أن يستيقظ النهار.
يا الله…
كيف استطاعت رائحة الخبز أن تهزم الزمن كلّه؟
ما إن أتذكّرها حتى يعود كلّ شيء دفعة واحدة: وهج الجمر، ودخان الحطب، وصوت العجين بين يديها، وانتظارنا الصغير حولها كأنّها توزّع على العالم معنى الحياة نفسه.
لم يكن الخبز يومها طعامًا فقط، بل كان طمأنينةً تُؤكل.
داهمني المساء كدمعة ثقيلة..
ذلك المساء الريانيّ الذي لا يشبه أيّ مساء.
حين كانت الشمس تتوارى خلف الجبال، وتبدأ الظلال بالتمدّد فوق السفوح، كانت السفوح كلّها تدخل في سكينةٍ مهيبة. ، وتخفت الأصوات شيئًا فشيئًا، ويصعد من البيت القديم صوت جدتي بالصلاة…لازلت أذكر تداخل الآيات ثم دعاء يعاد كل صلاة.. ونداء لأبي المغترب..
كنّا نجلس أمام البيت، لا نملك شيئًا تقريبًا، ومع ذلك كنّا نشعر أنّ الدنيا كلّها بين أيدينا.
اليوم نملك أشياء كثيرة، لكنّي كلّما عدتُ إلى تلك الأمسيات أدرك كم كنّا أغنياء دون أن نعرف.. كلّ حجر هنا يعرف قصّة.وكلّ شجرة تحفظ سرًّا.
وكلّ زاويةٍ تخبّئ طفلًا من أطفال الأمس لم يكبر بعد.
.تدافعت الأمسية سريعا.. وشهدت المساء يجثم على السفوح الوديعة المستسلمة للامتداد الساكن… هناك.. حيث صوت جدتي تنادي كل عشاء…على ابنها المغترب.. أبي.. طقس التنادي ليعود سالما.. ونلهج بالنداء…ويخفت صوت أمي حياء..امي لازلت اسمع صوتك يخرج من رحم الغياب ..ولازالت رائحة الخبز يا أمي ساخنة في ذاكرة طفلك اليتيم… الذي مابرح المكان…