كتاب وشعراء

الفعل «وَجَدَ» في العربية… بقلم عماد خالد رحمة

دراسة لغوية في ثراء الدلالة واتساع الاستعمال:

تُعَدُّ اللغة العربية من أكثر اللغات الإنسانية قدرةً على احتضان المعاني المتعددة في اللفظ الواحد، حتى ليغدو اللفظ حقلاً دلالياً واسعاً تتجاور فيه المعاني وتتفرع منه الدلالات بحسب السياق والمقام. ومن الأفعال التي تجلَّت فيها هذه الخصيصة اللغوية الفريدة الفعلُ «وَجَدَ»، إذ انتقل من الدلالة الحسية المباشرة إلى آفاق معرفية ونفسية ووجدانية وفلسفية رحبة، حتى صار من أكثر الأفعال العربية ثراءً في الاستعمال.

الأصل الدلالي للفعل «وجد»

تجمع كتب اللغة على أن أصل مادة (و ج د) يدور حول معنى الظفر بالشيء وإدراكه بعد طلب أو بحث. قال اللغويون: «وجدتُ الشيءَ» إذا أصبته بعد فقد أو بحث. ومن هذا المعنى الحسي الأول تفرعت سائر الدلالات الأخرى، وفق سنة التطور الدلالي التي تجعل المعنى المجرد امتداداً للمعنى المحسوس.

فالعثور على الشيء في العالم الخارجي انتقل إلى العثور على الحقيقة في عالم الفكر، ثم إلى العثور على الشعور في أعماق النفس، ومن هنا اتسعت دائرة الاستعمال حتى أصبحت كلمة واحدة قادرة على التعبير عن الإدراك والعلم والإحساس والمحبة والغنى والقدرة.

«وجد» بمعنى العُثور والإصابة

وهذا هو المعنى الأصلي والأكثر شيوعاً.

يقال:

وجد المسافرُ الطريقَ.

وجدت المرأةُ كتابَها.

وجد الباحثُ الوثيقةَ المفقودة.

وفي هذا الاستعمال يكون الفعل متعدياً إلى مفعول به يدل على الشيء المعثور عليه.

وقد رأى فقهاء اللغة أن هذا المعنى هو الأصل الذي تتفرع منه سائر المعاني الأخرى، لأن الوجدان في جوهره إصابةٌ وإدراك.

«وجد» بمعنى العلم والإدراك

من أوسع استعمالات الفعل في القرآن الكريم واللغة العربية مجيئه بمعنى العلم واليقين.

قال تعالى:

﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾.

أي علمه وأدرك حقيقة وجوده وسلطانه.

ويقال:

وجدتُ الأمرَ حقاً.

وجدتُ كلامَك صواباً.

وهنا لا يكون المقصود العثور المادي، بل الوصول إلى حكم عقلي أو نتيجة معرفية.

وقد عدَّ كثير من النحاة هذا الاستعمال قريباً من أفعال القلوب كـ: «علم» و«رأى» و«حسب».

«وجد» بمعنى الشعور والإحساس

ومن أرقى الدلالات العربية أن ينتقل الفعل من عالم الأشياء إلى عالم المشاعر.

فيقال:

وجدتُ ألماً.

وجدتُ راحةً.

وجدتُ في نفسي ضيقاً.

ومن هنا نشأ المصدر «الوِجدان» الذي أصبح يدل على الحياة الشعورية بأسرها.

فالإنسان لا يجد الأشياء فحسب، بل يجد ذاته أيضاً؛ أي يدرك أحوالها وأحاسيسها ومكنوناتها.

«الوَجْد» والمحبة والشوق

ومن أبدع ما أنتجته العربية اشتقاق الوَجْد للدلالة على الحب العميق والشوق الملتهب.

فالعرب تقول:

وجدَ المحبُّ بمحبوبه.

هو شديد الوجد بها.

وقد توسع المتصوفة في هذا الاستعمال حتى جعلوا «الوجد» حالةً روحيةً يتجاوز فيها القلب حدود الحس والعقل إلى شهود المعنى الإلهي.

وهكذا انتقلت الكلمة من العثور على الأشياء إلى العثور على المعاني، ومن إدراك الموجودات إلى معانقة اللامرئي في فضاء الروح.

«وجد» بمعنى الغنى واليسار

ومن استعمالات العرب قولهم:

وجد الرجلُ بعد فقر.

فلان ذو جدةٍ ووجود.

أي صار ذا مال ويسار.

ويرى اللغويون أن العلاقة بين هذا المعنى والأصل الدلالي تكمن في أن الغني كأنه وجد ما كان يفتقده من أسباب العيش.

موقف النحاة البصريين

نظر النحاة البصريون إلى الفعل «وجد» بحسب معناه وسياقه.

فإذا دلَّ على العلم والاعتقاد ألحقوه بأفعال القلوب الناصبة لمفعولين.

فيقال:

وجدتُ الصدقَ منجاةً.

وجدتُ العلمَ نوراً.

فـ«الصدق» مفعول أول، و«منجاةً» مفعول ثان.

واحتج البصريون بأن الفعل هنا يؤدي وظيفة «علم» و«رأى» القلبية، ولذلك يعمل عملها.

أما إذا دل على العثور الحسي فإنهم يجعلونه متعدياً إلى مفعول واحد فقط.

فيقال:

وجدتُ الكتابَ.

فالكتاب مفعول به واحد لا غير.

وهذا التفريق بين المعنيين يُعَدُّ من أدق ما قرره علماء البصرة في باب الأفعال المتعدية.

موقف النحاة الكوفيين

أما الكوفيون فكانوا أكثر ميلاً إلى التوسع في تفسير الظواهر اللغوية اعتماداً على السماع وكثرة الاستعمال.

وقد وافقوا البصريين في الجملة على أن «وجد» إذا جاءت بمعنى العلم نصبت مفعولين، لكنها عندهم أكثر مرونة من جهة التأويل؛ لأنهم كانوا يمنحون السياق سلطاناً أكبر في توجيه المعنى والإعراب.

ويرى بعض الكوفيين أن تعدد معاني الفعل الواحد ظاهرة أصيلة في العربية، وأن اختلاف العمل النحوي تابع لاختلاف الدلالة لا لاختلاف اللفظ نفسه.

«وجد» في نظر فقهاء اللغة

تناول فقهاء اللغة مادة «وجد» بوصفها مثالاً بارزاً على ظاهرة الاشتراك الدلالي واتساع المعنى.

فقد رأى علماء العربية أن هذه المادة تجمع حقولاً دلالية متباعدة ظاهرياً لكنها متصلة باطنياً:

الوجود ضد العدم.

الوجدان بمعنى الإدراك.

الوجد بمعنى الحب.

الوجود بمعنى الغنى.

الوجادة بمعنى الظفر بالشيء.

وهذا الترابط يكشف عبقرية العربية في بناء المعاني من جذر واحد تتشعب منه الدلالات كما تتشعب الأغصان من أصل الشجرة.

الفلسفة اللغوية للفعل «وجد»

لو تأملنا هذا الفعل لوجدناه يلخص رحلة الإنسان كلها.

فالإنسان يبدأ بالبحث عن الأشياء فيجدها، ثم يبحث عن المعرفة فيجدها، ثم يبحث عن ذاته فيجدها، ثم يبحث عن الحب فيجد الوجد، ثم يبحث عن الحقيقة الكبرى فيجد الوجود.

ولذلك لم يكن «وجد» فعلاً عادياً في العربية، بل كان مرآةً لعلاقة الإنسان بالعالم وبنفسه وبالمعنى الكامن خلف الظواهر.

خاتمة

إن الفعل «وجد» شاهد بليغ على سعة العربية وعمقها الدلالي؛ إذ اجتمعت فيه معاني الظفر والعلم والشعور والمحبة والغنى والقدرة، وتنوعت أحكامه النحوية تبعاً لتنوع دلالاته. وقد أدرك البصريون والكوفيون هذه الثروة اللغوية فبنوا عليها أحكامهم، بينما كشف فقهاء اللغة عن الروابط الخفية التي تشد هذه المعاني بعضها إلى بعض.

وهكذا يظل «وجد» أكثر من فعل لغوي؛ إنه قصة الإنسان في سعيه الدائم إلى الاكتشاف، فما الحياة إلا رحلة طويلة من البحث، وما المعرفة إلا صورة من صور الوجدان، وما الحكمة إلا أن يجد المرء نفسه قبل أن ينقضي العمر وهو ما يزال يبحث عنها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى