
لا أكتب إليكم لأنني أريد البقاء في الذاكرة
فالذاكرة مقبرة أخرى للأشياء الجميلة.
ولا أكتب لأنني أنتظر من أحد أن يفهمني
فقد أدركت متأخرا أن أكثر الحقائق صدقا
هي تلك التي تموت دون شهود.
لقد قضيت عمرا أبحث عن الإنسان
في وجوه البشر، فوجدت الأقنعة أكثر عددا
من الوجوه، والمصالح أكثر دواما من المشاعر
والكلمات أكثر وفاء من أصحابها.
تعلمت أن الحياة لا تكافئ الطيبين كما
كانوا يخبروننا، وأن القلوب النقية
غالبا ما تكون أول الضحايا.
فالعالم لا يصفق للصدق، بل للقدرة على التمثيل.
ولا يمنح الخلود للأنبل، بل للأكثر صراخا.
كنت عازفا على أوتار الزمن
لكنني اكتشفت أن الزمن لا يعزف الموسيقى
بل يعزف علينا. يمر فوق أعمارنا كما تمر الريح
فوق الرماد، يطفئ ما تبقى من دفء الأحلام
ثم يتركنا نتساءل أين اختفت السنوات.
كل الذين أقسموا أنهم باقون رحلوا.
وكل الأشياء التي ظننتها ثابتة سقطت.
حتى أنا… ذلك الذي كنت أعرفه جيدا
ضاع مني في زحام الخيبات.
وأقسى ما اكتشفته ليس أن الناس يتغيرون
بل أنهم يظهرون أخيرًا على حقيقتهم.
لهذا لا تحزنوا إن غبت.
فالغياب ليس المأساة.
المأساة أن يبقى الإنسان حاضرا بجسده
سنوات طويلة، بعد أن تغادرته روحه
وتهاجر منه دهشته، وينطفئ فيه المعنى.
أما الشفرة الأخيرة فهي: لا يخيفني الموت…
فالموت لحظة.
الذي يخيفني حقا أن يعيش الإنسان عمرا كاملا
وهو يطارد سرابا اسمه الوفاء، ويحارب من أجل
عدالة لا تأتي، ويحمل قنديلا من نور بين
قوم أحبوا الظلام.
وحين يكتشف الحقيقة أخيرا…
يدرك أن الزمن لم يسرق عمره، بل سرق أوهامه.
وعندها فقط، لا يبقى شيء يستحق الوداع.