
الفصل الرابع:
قصة نجاح
في قرية صغيرة من قرى البلينا، حيث تمتد الحقول الخضراء على مدّ البصر، ويمتزج صوت المؤذن مع خرير السواقي، وُلد خليف إسماعيل علي عجور. كان طفلاً يحمل في عينيه بريقاً مختلفاً، بريقاً لا يشبه بريق الفلاحين الذين لا يرون في الأرض سوى رزق يومهم، بل كان يرى في الأفق شيئاً أكبر، شيئاً يتجاوز حدود القرية.
نشأ خليف بين أبٍ صارمٍ وعمٍّ شديد، كلاهما لا يرى في الحياة سوى الزراعة والعمل في الحقل. كانا يرددان دائماً: “الأرض هي الكنز، ومن يتركها يضيع”. لكن قلب خليف كان يهمس له أن الكنز الحقيقي هو العلم، وأن المجد لا يُبنى بالمعاول وحدها، بل بالكتب والعقول.
دخل خليف الثانوية الأزهرية، وهناك بدأ نور داخلي يسطع في روحه. كان يقرأ القرآن بصوت رخيم، فيشعر أن كل آية تفتح له باباً نحو عالم أوسع. ومع كل درس، كان يزداد يقيناً أن طريقه ليس في الحقل وحده، بل في الجامعة والمعرفة. لكن حين أعلن رغبته في متابعة التعليم، وقف الأب والعم كجدارٍ صلب أمامه، يصرخون: “العلم يضيع الحقول، والزراعة هي الحياة”.
لم يتراجع خليف، بل ازداد إصراراً. عمل في شركة الاتصالات “ميناتل”، يحمل الأجهزة الثقيلة، ويكابد مشقة النهار، ثم يعود ليلاً إلى معهد القراءات في البلينا، يدرس بصبرٍ وقلبٍ نحيل. كان يوازن بين الحقل والعلم، بين العرق والكتاب، كأنه نهرٌ يجمع بين قوتين متناقضتين.
في كل تلك الرحلة، كانت الأم سنداً خفياً. تمد له يد العون في الخفاء، تخفي عن الأب معاناته، وتدعمه بحبٍّ صادق. كانت تقول له في سرّها: “ليكن العلم سلاحك يا بني، وسأكون سندك حتى النهاية”.
مرت السنوات، وتخرّج خليف من معهد القراءات، يحمل شهادة النجاح بيد مرتجفة، وعيناه تلمعان كدليلٍ في الدروب المظلمة. وقف الأب والعم في الخلف، وجوههما مترددة، بينما الأم تبكي فرحاً. في تلك اللحظة، شعر خليف أن كل كفاحه لم يذهب سدى، وأن العلم هو المجد الذي لا يضاهيه شيء.
اقترب الأب منه وقال: “ظننت أن العلم سيضيعك، لكنه رفعك”. وضع العم يده على كتفه، معترفاً بخطئه. كان ذلك المشهد لحظة انتصار، ليس على الأب والعم، بل على كل القيود التي حاولت أن تحبسه في حدود القرية.
لم يتوقف خليف عند نجاحه الشخصي، بل أصبح منارةً لغيره. وقف أمام مجموعة من الطلاب الصغار، يعلمهم القرآن، يزرع فيهم حب العلم، ويقول لهم: “في العزم تحيا كل أرض، وفي العلم يتحقق المجد”.
وهكذا، تحولت قصة خليف إلى قصة نجاح تُروى في القرية، قصة فتى تحدّى العقبات، ووازن بين الحقل والعلم، وصار مثالاً للكفاح والإرادة. كانت حياته رواية طويلة، فصلها الرابع هو الأجمل، لأنه حمل رسالة خالدة: أن العلم نور، وأن الصبر سبيل، وأن من أراد العلا لا يمنعه عذلٌ ولا بخيل.