
ليس في الضرورة ان كل تعب يظهر في ملامح الوجه، ولا كل انكسار يظهر في انحناءة الظهر أو ارتجاف اليدين.
كلا.. فهناك تعب من نوع آخر صفاته و اعراضه تختلف، هذا التعب يكون مكانه في الأعماق، تعب لا تراه العيون ولا تسمعه الآذان، لكنه ينهش الروح بصمت حتى يجعلها تبدو حيه من الخارج ، بينما هي في داخلها تلفظ آخر ما تبقى من أمل.
وان اقوى واخر سلاح شارك في هذا الحطام هو سلاح الوحدة، تلك الوحدة التي لا تعني أن تجلس في غرفة خالية من البشر، بل أن تكون محاطا بالوجوه ولا تجد وجها يفهم وجعك.
وأن تزدحم حولك الأصوات بينما تبحث عبثا عن صوت واحد يطمئن قلبك.
الوحدة الحقيقية هي أن تتحدث كثيرا ولا يسمعك أحد، وأن تمنح الكثير ولا تجد من يدرك قيمة ما منحت.
نعم مؤلم جدا أن تكتشف بعد سنوات من الصدق أن بعض القلوب كانت تتقن التمثيل أكثر مما تتقن الحب، وأن بعض الكلمات الجميلة لم تكن سوى جسر مؤقت يعبرون عليه نحو مصالحهم ورغباتهم.
فليس كل من قال “أحبك” كان يعرف معنى الحب، وليس كل من وعد بالبقاء كان قادرا على الوفاء.
الحب ليس رسائل تكتب عند الفراغ…
ولا كلمات تقال عند الحاجة….
ولا مشاعر تتغير بتغير الظروف…
الحب الحقيقي هو أن تبقى حين تصبح المغادرة أسهل، وأن تتمسك بمن تحب حين تتكاثر الأسباب التي تدفعك للرحيل. الحب موقف قبل أن يكون شعورا، والتزام قبل أن يكون رغبة، وصبر قبل أن يكون كلاما جميلا.
لكن البعض لا يعرف من الحب إلا بداياته، يعشقون اللحظات المضيئة ويهربون عند أول عاصفة ..
فهم يريدون الورود دون أشواكها، ويريدون الدفء دون أن يتحملوا برد الانتظار والتعب والمساندة.
هؤلاء لا يدركون أن أعظم ما في الحب ليس اللقاء، بل البقاء.
كم من روح انكسرت لأنها صدقت وأخلصت وانتظرت أكثر مما ينبغي.
وكم من قلب ظل متمسكا بوعود كان الطرف الآخر قد نسيها منذ زمن.
فالخذلان لا يأتي من الأعداء، بل من أولئك الذين منحناهم مفاتيح أرواحنا وظننا أنهم سيكونون الأمان.
وفي نهاية المطاف، ليست المأساة أن يرحل بعض الأشخاص من حياتنا، بل أن يرحلوا بعدما أخذوا معهم جزءا من ثقتنا وطمأنينتنا.
ومع ذلك…
يبقى الإنسان النبيل مختلفًا، فعلى الرغم من الجراح، لا يتخلى عن صدقه، ولا يسمح لخيباته أن تحوله إلى نسخة من الذين آذوه.
لأنه يدرك أن قيمة الوفاء لا تنخفض عندما يفتقده الآخرون، وأن الصدق يبقى فضيلة حتى وإن أصبح نادرا.
وتبقى الأيام تعلمنا درسا مهما؛
أن من يعرف قيمة الحب لا يترك، ومن يعرف معنى الشراكة لا يتخلى، ومن يحب بصدق لا يبحث عن الأعذار للرحيل بل يبحث عن الأسباب التي تجعله يبقى.
فأجمل القلوب ليست تلك التي تقول كثيرا “أنا أحبك”.
بل تلك التي تثبت كل يوم أنها ما زالت هنا… رغم التعب، ورغم الخيبات، ورغم كل ما كان يدعوها إلى المغادرة.