
في قُرب الشارع الرئيسيّ الذي امتلأ بضجيج السيارات، وقعقعة أقدام العابرين، وريح الحزيران العنيف، كل ذلك كان يخترق من جدار البيت المتعب المتصدع؛ أشبه بضوءٍ خافضٍ ينتشر بصمت في ربوع المنزل.
كان يجلس أمير مع رفاقه في جوف البهو الواسع على كراسي مصفوفة ومرتبة بنظامٍ دقيقٍ. كان يتكلم بسخافة، ورفاقه يضحكون بأصواتٍ جهورية. إنهم كانوا مبهِجون للغاية كأنهم لم يعرفوا الحزن في حياتهم. من بينهم شابٌ قويمٌ، في حدود الثامن والعشرون من عمره تقريبًا، ذو شفتين عجفاوين ووجه باهت، يرتدي معطفًا رثًّا. بيد أن جميعهم يرتدون ملابس رثّة، إلا أن رداءه أشدَّ رثاثة من رداءاتهم.
كانوا ثملين جميعًا كما لو أنهم شاربين من كؤوس الخزعبلات، صاحبنا وحده كان صامتًا، شاردًا في تخيلاته وتفكيره، لم يقرقع معهم.
كانوا يرددون وراء المتكلم باستمرار كعاصفةٍ أبريليةٍ مستمرة في الفيفاء. كان الشاب يتكلم عن الأغبياء الذين رآهم في حياته.
من بين تعليقاتهم، كلماتٌ ساذجة ترددت على لسان أمير كلماتٌ غير واضحة ممزوجة بضحكةٍ ساخرة. أمير هو شابٌ عشرينيٌّ، قصير القامة، نحيل، مكثار ومهذار، يضحك بأهون أشياء ولو لم تبعث على الضحك.
رفع إحدى يديه ووضعها على فكه، وانحنى قليلًا إلى الأمام دون أن يتحرك من كرسيه، ثم قال مازحًا بابتسامة ساخرة:
إن الشهر الماضي فيه نِعمٌ شَتَّى، قد سَمِن البعض بسرعة البرق.
أقر الجميع أعينهم بدهشة إلى فادي -الذي كان صامتًا- وضحكوا بقهقهاتٍ عالية، بهذا رمقوا صاحبنا فاعتدل في جلسته ثائرًا، وقال بخشونة:
قُل ما عندك مباشرةً يا أمير لا تُكنِّ عني.
ردّ أمير بسرعةٍ ممزوجة بخجل:
لستُ أقصد ما فهمته يا صديقي… إني لستُ أقصدك.
قال له فادي:
ألم ترَ بدانتي من قبل أم أنك تسخر مني؟
– آسف جدًّا يا فادي أنني أمزح… كلا، لم أحسب أنك ستفهمه هكذا، كلا…
هتف فادي مقاطعًا كلامه:
لا شأن لك وإن أصبحتُ وحشًا.
ثم أردف قائلًا:
لا تحدثني بعد اليوم.
عمَّ سكونٌ ثقيل في البهو كأن الهواء توقف للحظات، أما صاحبنا فادي، قام من كرسيه وفي ملامحه سمّات إنسان ممتعض، اتجه نحو الباب دون أن يفوّه بشيء، بينما هم اكتفوا بالنظر إليه، كانوا مذعورين حائرين.
عندما وصل الباب، فتحه بقوة ثم خرج وترك الباب يصدر صريرًا.
كانت شمس الظهير حمَّ شعاعها، ورطوبةٌ دافئةٌ تلعق وجه صاحبنا. إنّ شهر حزيران (يونيو) لم يعد كباقي الشهور، الحرارة فيها مرتفعة، تنهش وتُفقِد الأشياء خامتها.
عاد إلى بيته في الهجير، مكدودًا، منكسرًا، ظهرت على جبينه حبات العرق المتصبب.
فلما وصل إلى منزله، دفع الباب بقوة ودخل، لا كما يقرع من قبل برفق. زوجته كانت في المطبخ تهيّئ وجبة الغداء، وعندما سمعتْ صرير الباب؛ خرجتْ تستطلع أمر القادم، رأت زوجها القادم، تقدمتْ إليه ثم وقفتْ في ساحة البيت، ولما ألقى عليها التحية فردّت عليه وعادتْ إلى المطبخ لتجهز الطعام بسرعة. أما صاحبنا، انطلق إلى غرفته بخطواتٍ خفيفة، كان باب الغرفة مواربًا قليلًا، دخل واستلقى على السرير بثِقل.
غرفةٌ واسعةٌ، ذات ستائر قديمة مزركشة بلونٍ قرمزي، على زاويتها اليمنى سريرٌ معدنيٌ عتيق، مفرّش عليها دثارٌ قطنيٌ ناعم، وفي مقابل الباب منضدة صغيرة خلفها دولابٌ خشبيٌّ كبير، فيها أثاتٌ متنوع، بينما على زاويتها اليسرى أريكةٌ كبيرةٌ مزخرفة بألوانٍ ناصعة، فوقها أوراقٌ مبعثرة.
ليس ثمة شيء يتحرك في الغرفة إلا صمتٌ ثقيلٌ يحلق في الفراغ. غفى صاحبنا على حين غُرَّة، ولم يفِق إلا في الوقت الذي دخلتْ زوجته وأيقظته لتناول وجبة الغداء.
استيقظ وجلس على حافة السرير، شعورٌ ثقيلٌ يسري في جسده المنهك، أثقل النعاسُ جفنيه. نظر إلى زوجته التي كانت في وقتها تحدّق فيه بحزنٍ وشفقة، كانت صامتة، منكسرة، منهزمة، قالت بصوتٍ يشبه الهمس: أحضرتُ الغداء. ثم مدت يدها نحو قنينة الماء الصغيرة قرب طبق الغداء كي يغسلا يديهما ويأكلا.
بعدما تناولا وجبة الغداء، اِتجه صاحبنا إلى المرآة التي كانت معلَّقة على يمين الباب، مرآةٌ كبيرةٌ، ذات حواف سميكة.
نظر وجهه طويلًا في المرآة، كان شاحبًا، رسم ابتسامةً خائبةً على شفتيه، كأنه تذكر يوم كان يحدِّث المرآةَ بحزنٍ شديدٍ والدموع تستقرُ في مقلتيه، حين قال: “لِمَ تراقبينني هكذا يا مرآةُ؟”
ملامحه صارت هادئة، قد عاد إلى رشده من غيظٍ سيطر عليه طول النهار، فغدى مفعمًا بوقارٍ وبشاشة. أحيانًا يتساءل عن دافع الذي استشاط عليه غضبًا ثم خمد بهذه السرعة غريبة، وبالتالي، لماذا يتأمل المرءُ في حين يدرك أنه ليس بمقدوره أن يحصل على ما يبتغي؟ هل الحياة بأكملها عبارة عن إسفافًا لأمانينا أم أنها ذات وجهات أخرى لم نعرفها؟ في حينذاك دخلت زوجته وقطعت حبل أفكاره.
إنها امرأةٌ ناهدةٌ، نحيلةٌ، ذات بشرةٍ سمراء ناعمةٍ، ناضرة الوجه، عيناها واسعتان زرقاوان، في العقد الثاني، أي في حدود الخامس والعشرين من عمرها، ترتدي ثوبًا شفافًا يكشف جزءًا من صدرها، شعرها كثيف لامع منسدل، وضفيرتان صغيرتان تتدلّيان عبر عنقها حتى صدرها، وفي عينيها بريق صافِ، أشبه بأشعة الضوء عندما تنعكس على المعدن، تعلِّق في عنقها قِلادةٌ ذهبيةٌ ساطعة بلمعان. أما طولها فلا تزيد عن فادي. تزوجت منذ ثلاثة أعوام ولم تنجب.
تسمرت في وسط الغرفة، وإحدى يديها في خصرها، صارت ترنو وتفحص في زوجها، كانت في ملامحها قلقٌ متواري، وفجأة بادرت بالكلام:
أبي اتَّصل بي اليوم.
سار فادي نحوها بخطواتٍ بطيئة، اصطدمت نظراتُهما في آنٍ فاضطرب كلاهما، سألها بشغف: كيف حالهم؟
هل هم بخير؟
هي أيضًا ترنّحت نحوه وجلست بقربه على السرير، ثم أجابت وعيناها تستقران نحو الباب:
هم في أفضل حال، لكن أبَتي قال أن أختي سارة مريضة.
سألها: –
منذ متى؟
لم ينتظر إجابة ثم أردف:
ما رأيكِ ستزورينهم غدًا؟
ردّت بشفقةٍ وحنان:
وأنت أأتركك وحيدًا؟
– حسنًا… لا تخافي عليّ، ستذهبين إليهم.
أومأت له رأسها إيجابًا دون أن تنبس.
بات فادي ليلته في بيته، وفي الصباح حين أشرقت شمس الصبح بوهاجها المزركش؛ هيأ لكي يذهب إلى أمير ويعتذر له، ذلك الشاب الذي استأصل علاقته معه في الأمس الغابر، همَّ البارحة بهذا الأمر للغاية، لكن لماذا يعتذر له؟ لا يعرف دافعًا مقنعًا، هل كلماته كانت لاذعة؟ هل أساء إليه حين دافع عن نفسه؟
خرجَ ولم يخبر زوجته، هي كانت في المطبخ تعد قهوة كعادتها في صباحاتٍ مبكرة. سار صاحبنا في الطريق وقلبه يخفق ويضخ، كان حائرًا، لا يدري الدافع الذي جعله يأتي بهذا الوقت المبكر. عندما وصل بيتهم لم يتهيأ للدخول، وقفَ وحدَّقْ من بُعُد أمتار، شكله أشبه بطفلٍ تسمّرَ بعيدًا عن الشاطئ ويراقب ارتداد أمواج البحر.
جلس في ظلِ جدار بيتٍ متهدم لا سقف له، أسند ظهره على الحائط وحملق إلى باب المنزل باهتمام، انتظرَ ساعةٌ كاملةٌ ولم يخرج عليه أحد، وحين نهض خائبًا من مكانه، خرجت عجوزٌ حدباء تمشي ببطءٍ شديد، في إحدى يديها عصا تتوكأ عليها.
عاد كئيبًا منكسرًا إلى بيته، صار يفكر في سبب عدم دخوله إليه، يقول ما معناه: كان علي أن أدخل إليه واعتذر له، طالما هذا ذروة مرادي منذ البداية.