كتاب وشعراء

حين تشرح الحياة ما عجزت عنه الكلمات…بقلم عماد خالد رحمة

ليست الكتب العميقة أوراقاً تُقرأ بالعين وحدها، بل تجارب مؤجَّلة تنتظر أن تكتمل في الروح. فكثيراً ما نمرّ على جملةٍ فنحسب أننا فهمناها، ثم تمضي السنوات، وتداهمنا الحياة بمحنةٍ أو فرحٍ أو فقدٍ أو خيبة، فنعود إلى الجملة نفسها لنكتشف أننا كنّا نقرأ حروفها فقط، أما معناها الحقيقي فكان نائماً في أعماق التجربة.

إن المعرفة التي تمنحها القراءة تظل ناقصة ما لم تصادقها خبرة العيش. فالألم يشرح بعض الفلسفات أكثر مما تشرحها المجلدات، والفقد يفسّر معاني الصبر، والغربة تكشف أسرار الحنين، والحب يفتح أبواباً في النفس لا تستطيع اللغة وحدها أن تفتحها. لذلك لا يفهم الإنسان الكتب الكبرى دفعةً واحدة، بل يفهمها على مراحل من عمره، وكأنها تنمو معه وتكشف له في كل سنٍّ وجهاً جديداً من وجوهها.

ولهذا السبب تختلف قراءات الناس للنص الواحد؛ فكل قارئ يقرأ بقدر ما عاش، لا بقدر ما حفظ. فالحياة هي الشارح الأكبر، والزمن هو الناقد الأكثر عدالة، والتجربة هي المفتاح الذي يفتح الأبواب الموصدة في النصوص العميقة. وما نظنه غموضاً في بعض الكتب ليس إلا مسافةً تفصل بين وعينا الحالي وبين الحكمة التي لم نعشها بعد.

إن بعض المعاني لا تُفهم، بل تُعاش أولًا؛ وعندما تمرّ بنا، نكتشف أن الكتاب لم يكن يحدّثنا عن الآخرين، بل كان يقرأنا نحن قبل أن نقرأه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى