
لن يكفيكَ الموتُ كي تنجو،
فالموتُ أرحمُ منكَ حين تكونُ
قد اعتدتَ الحياةَ وهي
تذبحُكَ ببطء.
كلُّ ما فيكَ يعرفُ كيف يهرب
إلّا أنتَ تمسكُ بالهاويةِ من عنقها وتنامُ في قاعها كأنّ السقوطَ وطن
تخرجُ من الحطامِ كلَّ صباح لأنّ الخرابَ
لم يجدْ فيكَ موضعاً جديداً ليهدمه.
تُهدّدُ أعداءكَ بالأنقاض ولا يعلمون
أنّكَ لا ترميهم بالحجارة
بل ترميهم بما تبقّى من قلبكَ.
تتوعدهم بالجحيم وكيفَ لا؟
وأنتَ الذي عشتَ فيه حتى حفظتَ أسماءَ شياطينه
واحداً واحداً ٬ في النهار تبتسمُ للمارّة
كأنّ وجهكَ لم يكن يوماً
مقبرة لألفِ صرخة وفي الليل
تخلعُ عنك ضجيجك وتجلسُ أمام المرآة
لتسألَ الرجلَ الذي فيها
مَن قتلك؟ فيصمت
لأنّه يعرفُ الحقيقة لم يقتلكَ عدوٌّ،
ولا طعنةٌ في الظهر، ولا غيابُ الذين أحببتهم
قتلتكَ تلكَ المرّةُ التي خذلتَ فيها نفسَكَ كي لا تخسرَ أحداً
قتلتكَ كلُّ الأبواب التي طرقتها بقلب كامل
ففتحتْ لكَ نصفَها وكلُّ الأيدي التي أمسكتَ بها
فتركتْكَ حينَ عبرتَ بها النار
حتى ذاكرتُكَ
لم تعدْ ذاكرة صارتْ سجناً
يحفظُ أسماءَ الذين نجو منك
ولا يحفظُ اسمَكَ.
وكلّما حاولتَ أن تنسى، استيقظَ في داخلكَ
ذلك الطفلُ الذي كنتَه وأمسكَ بثوبك وقال
لا تتركني هنا فقد تركنا الجميع.
لهذا لم تكنْ غارقاً في البحر،
كنتَ البحرَ نفسَه عميقاً بما يكفي
كي لا يصلَ أحدٌ إلى قاعكَ،
ومالحاً بما يكفي
كي لا يقتربَ منك أحدٌ دون أن تدمعَ عيناه.
كلُّ شيءٍ فيكَ تعلّمَ كيف يطفو.
إلّا قلبُكَ فقد اختارَ القاع،
لا لأنّه عاجزٌ عن النجاة،
بل لأنّه أدركَ أخيرًا
أنّ بعضَ الغرقِ أكثرُ كرامة
من أن تمدَّ يدكَ لمن كانَ يدفعُكَ إلى الأسفل وهكذا بقيتَ
لا حيّاً بما يكفي لتبدأ،
ولا ميتاً بما يكفي لتنتهي،
بل شاهداً وحيداً
على جريمةٍ لم يرتكبها أحدٌ سواكَ
أنّكَ رأيتَ نفسك تتكسّر،
وكان بإمكانكَ إنقاذُها لكنّكَ كنتَ مشغولاً بإنقاذِ الجميع.
أليس ركاب .