
قبل التوقيع الرسمي على “مذكرة التفاهم” بين الولايات المتحدة وإيران كانت بنودها قد تسربت إلى الصحف الأمريكية، وتصدرت عناوين الكثير من الصحف عبارات “الهزيمة الأمريكية، والإستسلام، والإذعان، والإذلال”، وبعيدا عن المبالغات والتهويل، فعند الإطلاع على نصوص الوثيقة يتأكد أن جميعها تقريبا لصالح إيران، من البند الأول الذي ينص على وقف فوري ودائم للأعمال العدائية على كل الجبهات بما فيها لبنان، والبنود الأخرى التي تمنح إيران مكاسب غير مسبوقة مثل إدارة مضيق هرمز، على أن يكون الشهر الأول بلا رسوم، وهو إعتراف واضح ليس بالسيطرة الإيرانية فقط على المضيق، بل حقها في فرض رسوم بعد الشهر الأول، سواء تحت بند خدمات أو تأمين المرور أو غير ذلك من مسميات، وكذلك الإسقاط الفوري للعقوبات على صادرات إيران من النفط والبتروكيماويات، وبند إنشاء صندوق لإعمار إيران بمبلغ لا يقل عن 300 مليار دولار، غير الإفراج عن أرصدة إيران المجمدة، والتي لا تقل عن 120 مليار دولار، وحصلت إيران مسبقا على جزء من أموالها المجمدة، ولا توجد إلتزامات في الإتفاق على إيران سوى بند واحد ينص على تأكيد إيران مجددا بعدم إنتاج أو الحصول على أسلحة نووية، وهو بند سبق أن أعلنت إيران مرارا الإلتزام به.
دفاع الرئيس الأمريكي ترامب عما ورد في “مذكرة التفاهم” يوضح أسباب التنازلات الأمريكية، فقد قال إذا لم نوقع على الإتفاق فكنا سنتعرض لأزمة إقتصادية خطيرة، فالمخزونات النفطية كانت على وشك النفاذ، ووقتها سيحدث إنهيارا خطيرا. أما عن بند ال300 مليار لإعمار إيران فقال “لن ندفع منها دولارا واحدا”، في إشارة إلى تحمل دول الخليج لتلك النفقات، بل حاول أنصار الرئيس ترامب وصفها بأنها مكسب قد يؤدي إلى تغير في توجهات إيران بعيدا عن الصين وروسيا. وعن بند الإفراج عن أموال إيران المجمدة فقال ترامب “من حق إيران إستعادة أموالها”، وعن عدم الإشارة إلى صواريخ إيران الباليستية قال “الكثير من الدول المحيطة بإيران لديها مثل هذه الصواريخ”.
هل كانت الدوافع الإقتصادية هي سبب خسارة الولايات المتحدة وربح إيران لتلك الجولة؟ بالتأكيد كانت الأسباب الإقتصادية دافعا رئيسيا، لكن يسبقها الفشل العسكري الأمريكي، فلم يتحقق السيناريو الذي اعتمد عليه الهجوم العسكري، بالتوازي مع عملية مخابراتية لزعزعة الداخل، مع هجوم لجماعات كردية معارضة من الحدود الشمالية الغربية، واستبعد هذا السيناريو الفاشل الرد الصاروخي الإيراني المكثف والسريع على القواعد العسكرية الأمريكية، التي جرى تدمير معظمها، لتتفاجأ الولايات المتحدة أنها أمام حرب قد تطول، ولم تستعد لها بما يكفي، رغم أن رئيس الأركان المشتركة الأمريكة كان قد حذر من سيناريو حرب طويلة أو الإضطرار إلى حرب برية لا تتوفر لها فرص النجاح.
كشفت الحرب أن حاملات الطائرات والبحرية الأمريكية ليست فعالة، فالحاملات التي كانت تثير ذعر أي دولة تقترب منها كانت تخشى الإقتراب من المياه الإيانية، وابتعدت مسافات تجعل من إقلع الطائرات منها غير ممكن، وليس على متنها، ولا يمكن أن تقلع منها طائرات تزود بالوقود، لتفقد فعاليتها إلى حد كبير. كما أن ضرب القواعد العسكرية في دول الخليج والأردن، خاصة الرادارات وطائرات التزود بالوقود ومنصات الدفاع الجوي زاد من صعوبة شن غارات مؤثرة ومستمرة على إيران، كما انكشف بطء الصناعات العسكرية الأمريكية، التي لم تعد قادرة على تعويض الخسائر والذخائر.
في المقابل كانت إيران قد استعدت مبكرا للحرب، وأهم ما فعلته كان إنشاء عشرات المدن العسكرية في باطن سلاسل جبال زاجروس والبرز الممتدة حول إيران بارتفاعاتها الشهقة وصخورها الجرانيتية الصلبة، لتحد من تأثير الضربات الجوية عليها، بما تحتويه من منصات صواريخ ومصانع أسلحة وثكنات للجنود وخدمات طبية وغيرها، حتى أن أعتى القنابل الثقيلة والباهظة الثمن لم تتمكن من إختراق تلك التحصينات الطبيعية، وأثبتت أن توظيف الجغرافيا في الحرب له أهمية كبيرة في الصمود وتحقيق النصر.
كانت إيران قد إتبعتخطة طويلة الأمد لإنتاج أسلحة مناسبة وفعالة ورخيصة، فكانت تولي إهتماما كبيرا بإنتاج الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيرة، وكذلك زوارق صغيرة وسريعة وغواصات صغيرة، تتخفى في كهوف الشواطئ الإيرانية، تحتمي بها ثم تخرج وتلدغ وتعود، إنها التكنولوجيا المناسبة لجغرافيتها وميزانيتها العسكرية التي تبلغ 25 مليار دولار فقط، مقابل ميزانية ترليونية أمريكية، تزيد عنها 40 مرة، بالإضافة إلى مشاركة إسرائيل بقدراتها العسكرية المتطورة.
لقد كشفت الحرب حدود القوة الأمريكية، وأسقطتها من عليائها، وأثبتت أنه يمكن هزيمتها، ولا يمكن الإعتماد عليها في حماية أي دولة، وهو ما سيعيد الحسابات والتموضع والتحالفات في المنطقة وخارجها، في بداية لمرحلة جديدة.