كتاب وشعراء

أنا أكثر يأساً/للشاعر السوري الدكتور ابراهيم فهد منصور

أنا أكثرُ يأساً ممّا أبدو
وأقلُّ حياةً من عودٍ يابسْ!
*
أنا أكثرُ حتّى…
ممّا كنتُ أظنّ بأنّي يائسْ
*
من قبّرةٍ تحمل شيئاً
وتعود إلى العشّ الغضّ
تراهُ وقد أصبحَ شيئاً
في قبضة مفترسٍ بائسْ
*
لا أطلب أن يفهمَني أحدٌ
حسبي الصّمتُ وهذا الجمرُ… وقلبي
وهسيسُ النّبضِ الهامسْ!
*
أنا أكثر يأساً
من طفل يحمل قطفةَ ورد
وينامُ أمامَ المقهى
ولهُ قبّعةٌ لا ريشَ لها…
وجناحٌ أخفضهُ اليتمُ القارسْ!
*
أتفاءل بالشّمسِ
تميلُ على زند فتاة في مُقتبلِ الطّيش
تلمّ حريرَ الدانتيل عنِ النّهدِ الشّامسْ
*
أتفاءل بالوردة في كأس الماءِ
وضوءٍ يخرجُ من نافذةٍ مغلقةٍ
وغناءٍ يفتحُ ليلَ الفقراء الدّامسْ
*
لكنّي أيأسُ..
من مشهدِ نحلٍ طار بعيداً
وأضاع الدربَ وشهدَ الخدّ..
وآبَ إلى بيتٍ دارسْ
*
من حدّادٍ
ينفخُ في الجمرِ
ويلحمُ بالنّار أصابعَهُ المبتورةَ:
أربعَ للأعلى.. واحدةً نحو زجاجٍ عاكسْ
*
أيأسُ من بطلٍ
لا ينظرُ في عينِ المهزوم
لألّا يقطعَ خيطَ الماءِ.. عن الوجهِ النّاكسْ
*
ولألّا يكتملَ الفوز الموهوم
يذوبُ كما الملح… ويرضى
أن يبقى مهزوماً في الحالين.. كفارسْ
*
أنا أكثر.. بؤساً من فلاحٍ
يزرعُ في الصّخرِ أظافرَهُ
يدعو اللهَ ليطرحَ فيها الزّيتَ..
فتأتي صاعقةٌ أخرى
لا تتركُ إلا العرجونَ العابسْ
*
أكثر بؤساً
من أزرارِ قميصٍ متروكٍ في زاوية الحبلِ.
يمدُّ الأكمامَ عناقاً منسيّاً في البالِ
وتعروهُ قُبيلَ غروبِ الشّمسِ هواجسْ
*
أنا أعمقُ منّي..
من روح تغسلها أمّي كلّ نهارٍ
ويعلّقها قربَ البابِ أبي…. حتى تبلى
أو تغزلَ لي بالسرّ سواها

لا أعرف حقّاً أينَ أنا!
بيني والباب حياةٌ تعرى…. ورُكامُ ملابسْ
*
أنا أعمق يأساً
من منديل في رأس عصاً
يحملها رجلٌ بالٍ
ويكشُّ بها سربَ حمامٍ
فوق سطوح الشام..
يراها أفقاً مفتوحاً
وتراهُ رهينَ محابسْ
*
من بحّارٍ
غلبتْهُ الأمواج ونامَ على الرّمل
فعيناه وكفّاه وآخرُ قلبٍ خبّأهُ دهراً
جاءت تنتشُها ـ كالخبز البائتِ ـ
أسرابُ نوارسْ
*
أنا أكثر… من فزّاعةِ عبّادِ الشّمسِ
فحتّى الفزّاعة يسعدُها أن تفزع شيئاً
لكنّي لا أملك هذا التّرف الملعونَ
فلا أفزعُ إلا ورقي وخريفي الكانسْ
*
أنا… أيأسُ من ريحٍ حكّتْ قصباً
قربَ ضفاف الروح بلا صوتٍ مجروح

فيمرّ الطّوفان عليه ويمحوهُ
ويمحو الغرْسَ الطّائف والغارسْ!
*
لا يأخذُ بي أمرُ شؤونِ الغيبِ
ولستُ أحاولُ شيئاً..

لم يبق بقلبي متّسعٌ للخردة
لا ضوءَ لأخبوَ فيه
ولا جائزةٌ حتّى أدخلَ هذا السّيركَ
وليسَ هنالكَ ما يكفي لأنافسْ
*
لكنّي
أمسك ما يُدعى شعراً من قرنيهِ
وأدفعه نحو ضياع المعنى.. بلباقةِ سائسْ
*
أنا…
لا أطلب معنىً من أحدٍ
حسبي ما فهمَتْ من قولي امرأةٌ
تتمشّى كالنّهرِ وتحملُ عنّي اسمي
وتعيشُ على مقربةِ الشّعرِ
بلا أسوارَ تُهدّ عليها
وبلا حارسْ!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى