
مرَّ الغريبُ
تركَ على الذاكرةِ
مخالبَ الوقت،
وفي الأزقّةِ
أكواماً من غبارٍ
كانَ بيتاً
يتذكّرُ نوافذَه.
الأرضُ
لم تنشغلْ
بما سقطَ منها
كانت تُنصتُ
إلى الطوبِ المبعثرِ
وهو يراجعُ شكلَهُ الأوّل،
إلى الخشبِ
وهو يحلمُ بسقفٍ آخر،
إلى المساميرِ
وهي تبحثُ في الترابِ
عن يدٍ
تعرفُ أسماءَها
ليلٌ ثقيل
المدنُ مطفأةٌ
إلّا من جذوةٍ
تنامُ في قلبِ الحجر.
والحجرُ،
كلّما ازدادَ كسراً،
اتّسعتْ فيه
مساحةٌ للضوء.
في الصباحاتِ المؤجَّلة،
كانتِ السواعدُ
تجمعُ الجهاتِ من الأرض
ترفعُ جداراً،
فيتفتّحُ خلفَهُ باب
تفتحُ كوّةً
في العزيمة،
فينهضُ حولها
سكنٌ للضوء
توقظُ درجاً من غبارٍ،
فتصعدُ عليه
خطواتُ العائدين
الجذورُ تعرفُ لعبتَها القديمة.
ما يُبعثرُه الخرابُ
تعيدُ ترتيبَه.
وما يهبطُ
يواصلُ صعودَه
بهيئةٍ أخرى.
لهذا
كانتِ المدنُ
تخرجُ من أنقاضِها
أخفَّ من الرماد،
وأشدَّ من الحلم
وحينَ ظنَّ الغريبُ
أنَّهُ تركَ وراءَهُ
فراغاً كاملاً،
أدارَ وجهَه
فلم يَرَ الركامَ
رأى أطفالاً
يركّبونَ للريحِ نافذةً جديدة،
وعندها
أدركَ متأخّراً
أنَّ الخرابَ
هو الشيءُ الوحيدُ
الذي لا يعرفُ
كيف يُعادُ بناؤه
بقلم: عبد الكريم بعلبكي