رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :إصلاح أم اعادة توزيع الثروة؟

في تصريح أخير أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي يقول” إن الشركات الأمريكية ستُمنح الأولوية بالاستثمار في العراق” وذلك خلال حديث له للصحفية الأمريكية هادلي غامبل.
أي أن العملية كما هو واضح إعادة توزيع للثروة من اللصوص الى الشركات الأمريكية وتخصيص كميات ضخمة من النفط مثل الـ 500 ألف برميل يومياً لإعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي ــــــــــــــ نصف مليون برميل يومياً ، أي 15 مليون في الشهر، الكمية المعلنة ولأجل طويل ــــــــــــــ كما في التصريح ، قد لا يكون “إصلاحاً” بالمعنى الحقيقي، بل هو أقرب إلى تسوية سياسية تقدم فيها الثروة الوطنية كـ “ثمن” لتأمين الدعم السياسي الخارجي أو لتثبيت أركان الحكم.
أي بدل أن يقوم لص عراقي محلي بسرقة ربع هذه الكمية في الشهر، تقدم كهدية للشركات الأجنبية ، والذي تغير هو إسم اللص الذي حمل هذه المرة صفة قانونية وشرعية وعلنية دون الحاجة الى اخفاء المال في أنفاق وخرائب.
أي نحن أمام عملية معكوسة عندما تم تأميم النفط عام 1972 وانتقلت الثروة من الشركات الأجنبية الى سلطة دكتاتورية بددت الثروة في حروب طائشة ونزوات انتهت بخراب اليوم.
من عملية نهب الثروة محلياً من لصوصنا الفلاسفة الواعظين في الأخلاق والوطنية وحب الجماهير، الى عملية نهب للشركات العملاقة بعنوان انيق:
” أولوية الاستثمار” ويمكن لمن يرغب قلب “الثاء” حاءً .
قد يكون التعامل مع اللص المحلي أسهل من التعامل مع كارتلات عملاقة بنفوذ سياسي وعسكري وقانوني، وهو الفارق بين الاقتصاد الريعي المحلي والاقتصاد المعولم.
يمكن استعادة الثروة من لص محلي كبير، حوت بالقاموس الجديد، بتعليقه من اذانه في مروحة أو الجلوس على خازوق وحرمانه من الطعام عدة أيام أو جعله يسمع خطابات صدام حسين في زنزانة من الصباح حتى منتصف الليل، يغرد بعدها عن المال المسروق والشركاء والأمكنة، لكن من المستحيل حصول ذلك مع شركات كبرى.
اللص المحلي يتحرك ضمن منظومة سياسة ومحاصصة وعلاقات عشائرية ويمكن اجباره بالقانون أو ” بالوسائل الناعمة” التي تشتهر بها شرطة مكافحة الاجرام العراقية حيث يدخل الغزال الى مركز الشرطة ويخرج وهو مصدق إنه أرنب.
الأموال التي يسيطر عليها، في النهاية، غالباً ما تُعاد دورة جزء منها داخل السوق المحلي :عقارات، مشاريع، استهلاك. الشركات الكبرى لا تتحرك بالتوازنات والعواطف .
في حالة الفساد المحلي، تضيع الأموال ولا يحصل المواطن على الخدمة إلا على شكل فتات بالقطارة. لكن في حالة الشركات الأجنبية، تخرج الأرباح للخارج لكن المواطن قد يحصل على الخدمة :كهرباء، نفط، بنية تحتية لكن اذا كانت هناك دولة تتمتع باستقلالية سياسية واقتصادية وقرار مستقل وتخضع الشركات لشروط وطنية وعقود موثقة وهذا لن يحدث في الحالة العراقية.
القضية ليست خيارأً بين لص محلي وشركة رأسمالية نهّابة بل قدرة الدولة على صياغة شروطها بدل أن تكون الطرف المستسلم للتنازلات وهو ما سيحصل. انتقال هادئ وناعم من الاحتلال المسلح الى الهيمنة الاقتصادية والسياسية المطلقة. أي العودة الى هدف الاحتلال الأول وتصحيح” المسار”.
العملية باختصار مركّز تتجاوز قصة الاصلاح القرمزية الى هيمنة الشركات العابرة للقارات على نفط العراق بأكثر الوسائل نعومة في الظاهر ودمجه بالسوق الحرة كجسر للعبور نحو الاسواق الرأسمالية من خلال مقاولين وأثرياء محليين ولصوص من حفاة الأمس ــــــــــــــــ معززة بــــــــــــ 12 قاعدة عسكرية أمريكية ـــــــــــ مستغلة سفالة وغباء اللصوص الكبار الذين تم رفع الغطاء عنهم لنهاية الدور والصلاحية.
إن الحفل الصاخب في القبض على بعض اللصوص كان قنبلة دخان للتغطية على 15 مليون برميل نفط هدية كل شهر وهو يتجاوز 13 مليون برميل تصدره السعودية في اليوم هدية مجانية للولايات المتحدة الامريكية للحفاظ على النظام السياسي كرهينة وسرقة ثروة الأجيال القادمة مما يوضح صورة المستقبل. أي 180 مليون برميل في السنة أضعاف ما أنتج من النفط العراقي منذ اكتشافه.
180 مليون برميل سنوياً كهدية ومكرمة من الزيدي يعادل تقريباً نصف الإنتاج السنوي لدولة رفاهية كالنرويج مكرمة من الزيدي للتخلص من العقوبات الصادرة بحقه من الخزانة الأمريكية بتهم الفساد لكنه في الوعي العام العراقي رجل الإصلاح مع انه باع مستقبل الاجيال القادمة لمصلحة شخصية.
الخروج من العقوبات ليس مجرد إجراء قانوني بل هو مسار سياسي معقد جداً. لكي ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن شخص ما، تطلب غالباً تغييراً جوهرياً في السلوك، تنازلات سياسية مثلاً، إخضاع دائم وهو مصطلح فضفاض وعندما يوضع شخص في نظام عقوبات أمريكي سيكون في مواجهة جميع مصارف العالم التي تخشى التعامل معه لذلك يضطر للارضاء ولو باتخاذ مواقف انتهازية رخيصة على الضد من مصلحة بلاده لكن لا يرفع عنه العقاب لكي يبقى في حالة خوف وترقب ونحو مزيد من التنازلات وتحت ضغط شروط رفع تعجيزية تتراكم كل مرة وعادة رأس المال جبان لأنه يبحث عن بيئة آمنة ويخاف المغامرة ويتحاشى الصراعات وهنا ورطة الزيدي التي لن تنتهي بسلام بشكل قطعي.
لا تفرش سجادة انتظار لأفراحك. لا شيء يستنزف الانسان اكثر من الخوف والامل والانتظار،
والحل الوحيد لعبور الخوف مواجهته لانه مثل كرة الثلج يتضخم كلما تدحرج،
وتجاوز الامل بخلقه مهما كان الثمن، لان الامل صناعة،
والأمل الزائف الساذج ويسمى البانغلوسين Panglossian، أكبر مصادر الأوهام والخيبات وهو نظام المتاهة والحلقة المفرغة.
ــــــــــــــــــــ الصورة: مقر “صندوق السيادة والاستثمار النرويجي” وقدره تريلوني دولار ــــــــــــ 2 تريليون ــــــــ حتى الان وفي تصاعد وهو صندوق الثروة لحماية وضمان مستقبل الاجيال القادمة التي لم تولد بعد في حال نضوب النفط في حين ان جرادنا أكل ثروة اجيال الماضي والحاضر والمستقبل وبلا بنية تحتية صناعية حديثة واقتصاد احادي. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى