كتاب وشعراء

لو كنتُ……بقلم

لو كنتُ كابوسًا
لهززتُ جذعَ النومِ،
حتى تُجهِضَ الأحلامُ
ثمارَها المُرَّة.

لو كنتُ تاريخًا،
لهمستُ في أُذُنِ (دمشقَ) أنْ
تستردَّ دَيْنَها من ذمَّةِ المستحيل،
ولنهضتُ على رِيقِ أمجادي
لأجلبَ لها شايًا، وعطرًا، ومساءً…
وأمسكتُ قمرَها التائهَ من يده
ليعبرَ متاهةَ السماءِ،
ولحظرتُ تجوالَ الحزنِ اليابسِ
في نيسانَ وجهِها.

لو كنتُ (دمشقَ)،
لأرسلتُ أنبياءَ الأُنسِ
لتثوبَ غربةُ الخيامِ إلى رُشدِها،
ولهديتُ المدنَ البورَ
التي تتشبَّثُ بقشَّةِ الغيمِ العاقر،
ولدعوتُ عواصمَ التردُّدِ
إلى مأدبةِ القيامة.

لو كنتُ حارسَ المقبرةِ،
لفازَ أهلي بقبورٍ فاخرةٍ بالتزكية،
ولجفَّفتُ الدمعَ،
وبعتُ الملحَ،
وصرتُ ثريًّا.

لو كنتُ كاتبًا،
لنقَّبتُ بناتَ أفكاري،
وضلَّلتُ ذاكَ المُخبِرَ اللئيمَ.

لو كنتُ طاغيةً،
لمنعتُ الفقراءَ أنْ ينثروا
دقيقَ الهمِّ في حقولِ قهرِهم،
أو أنْ يتوارَوا خلفَ جدرانِ الشكوى،
ولراقصتُ العبيدَ
حتى يتدفَّقَ النيلُ
في عروقِ حرِّيَّتهم.

لو كنتُ صيادًا،
لنصبتُ شباكي،
وأوقعتُ الحقدَ في الأسرِ،
ولنتفتُ ريشَ الضغينة،
ولأمرتُ الطيورَ جميعَها أنْ
تبحثَ معي عن طريدة.

لو كنتُ صيادًا آخرَ،
لنثرتُ حنطةَ قلبي
على بياضِ الورق،
لعلَّ فكرةً فرَّتْ من صوتِ المدافعِ
تعود،
ولوضعتُ روحي طُعمًا،
لعلَّني أتصيَّدُ وطنًا
يسدُّ رمقَ غربتِنا.

لو كنتُ شوكةً،
لهجرتُ عشيرتي،
وصرتُ وردةً تتوضَّأُ بالنَّدى،
وتأمرُ الروضَ
أنْ يترادفَ خلفَها
في صلاةِ الجمال.

لو كنتُ جريئًا،
لأبلغتُ (ليلى) بأعلى قلبي:
أنِّي، منذُ الألفِ الثالثِ قبلَ الحبِّ،
وأنا حفلُ شواءٍ
على موائدِ عينيها،
وأنَّ كفَّها
كان وطنًا لكفِّي
بكاملِ الدفءِ والسيادة.

لو كنتُ مئذنةً،
لأعلنتُ هذا الفجرَ أنَّ
صلاةَ الحبِّ، بدونِ فاتحةِ
اسمِكِ، باطلةٌ.

لو كنتُ حزنًا،
لرشوتُ الوجوهَ الكالحةَ،
ودسستُ البسمةَ في صحنِ الألمِ،
خلسةً عن أعيُنِ الحرَّاس،
قبلَ أنْ يعودَ الزمنُ الحالكُ من السفر.

لو كنتُ فرحًا،
لقلتُ لأولادي:
أنزلوا هذا الحزنَ الدخيلَ
من حافلةِ أيَّامِنا،
واعصبوا عينيهِ بمنديلٍ أُرجوانيٍّ،
واطردوه من بيتِنا،
وأغلقوا بوجهِهِ الأبواب.

لو كنتُ مُغفَّلًا،
لتذكَّرتُ في أيِّ دفترٍ
دوَّنتُ الألمَ،
ودقَّقتُ طويلًا خطابًا في الوفاءِ
أرسلَهُ حطَّابٌ
لشجرةٍ عجوز،
ولعرفتُ أنَّ الكرومَ
التي ادَّعتْ عذريتَها
حملتْ سفاحًا،
وخبَّأتْ أجنَّةَ النبيذِ
في رحمِ زبيبِها.

لو كنتُ غريقًا،
لما أسأتُ إلى سُمعةِ النهرِ،
فالنهرُ، حينها، كان في سريره
يغطُّ في ماءٍ عميق.

لو كنتُ غريقًا آخرَ،
لقلتُ في المحضرِ:
النهرُ، الذي كان يفضُّ مظاهرةً
للسواقي العطشى، أهملني.

لو كنتُ ثوريًّا بما يكفي،
لأبلغتُ (ليلى):
أنَّ قلبي كانَ الأكثريَّةَ الصامتة.

لو كنتُ قاضيًا،
لعفوتُ عن فكرةٍ هاجمتْ شاعرًا
في عقرِ سكونِه،
ولبرَّأتُ شاعرًا افترى على المعنى
بمؤامرةِ المجاز.

لو كنتُ رصاصةً،
لخدعتُ ساعةَ الصفرِ،
وخنتُ إصبعًا آثمًا على الزنادِ،
وغادرتُ بيتَ النارِ خلسةً،
وعقدتُ صفقةً
مع (نصير شمَّا)،
لأكونَ في عودِهِ وترًا سابعًا.

لو كنتُ مبعوثًا أُمميًّا للسلام،
لصرَّحتُ:
لم ينفدِ الرصاصُ بعد،
ولم يمتْ الجميع،
ولم يُعلِنْ أحدٌ استسلامَه،
ولم ندعُ إلى ضبطِ النفس،
ولكن…
ابتسامتُها كانت معاهدةَ السلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى