
لن أعود
أنا الآن في مكانٍ آخر ..
مكانٍ لا يعرف اسمي القديم
و لا يلتفت إلى الظلال التي كانت تمشي خلفي
ككلابٍ وفية للحزن .
تركتُ الطريق التي كانت تؤدي إليَّ ..
و تركتُ المفاتيح معلّقةً في صدأ الأبواب
و تركتُ سنواتٍ كاملةً تتدحرج خلفي كأحجارٍ سقطت من جبلٍ و لم يعد يعنيها أين تستقر .
لن أعود ..
ليس لأن المسافة بعيدة
بل لأن ما تركتُه هناك كان ينهشني من الداخل و الخارج و ما بينهما ..
كان يضع إبره في أعصاب روحي
و يغرس مخالبه في العمود الذي يحمل وقوفي في هذا العالم .
أغلقتُ الباب خلفي جيداً
كمن يدفن مدينةً كاملةً تحت آخر حجر
و لم أترك نافذةً واحدةً للحنين ..
و قبل ذلك ،
أغلقتُ سماعة الهاتف في وجه أمي الميتة ..
لا لأنني نسيتها ،
بل لأن الموت نفسه صار يتصل بي كل مساءٍ
من رقم الذكريات ،
و لأنني تعبتُ من الرد على الذين رحلوا وبقوا يسكنون رأسي .
هذا العالم لم يعد كما أردته يوماً ..
لا الأشجار التي حلمتُ بها كبرت في أماكنها
و لا الأنهار وصلت إلى البحار التي وعدتني بها الخرائط
و لا القلوب ظلّت قلوباً كما عرفناها ..
كل شيءٍ تبدّل ،
حتى أنا ،
لهذا أمضي الآن خفيفاً قدر ما أستطيع ..
أخلع عن كتفيَّ أعواماً من الخسارات
و أفكّ الأصفاد التي صنعتها الذاكرة حول روحي و قصيدتي .
لا أريد رؤية أحد ..
و لا الانتصار في أُحد ،
لا أريد بلادي و لا المنهوب منها
و لا أريد استعادة شيء ؟
أريد فقط
أن أخرج من نفسي القديمة
كما يخرج الناجي من بيتٍ يحترق ،
دون أن يلتفت إلى الأثاث
أو الصور المعلّقة على الجدران .
أريد حياةً لا تعرف ما حدث
و صباحاً لا يحمل أرشيفي معه
و ذاكرةً
أقلّ ازدحاماً بالمقابر ،
أريد أن أصل إلى مكانٍ لا يسمعني فيه الماضي
و لا يجدني فيه الألم
و لا تستطيع أحزاني القديمة أن تتعرف إلى ملامحي ..
و حين يسألني أحدٌ من أكون ؟
سأشير إلى الطريق البعيدة خلفي و أقول :
كان هناك رجلٌ يشبهني كثيراً ..
و مات .