
كان المشهد الثقافي والإعلامي في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة مختلفًا تمامًا عما نعيشه اليوم. لم تكن القضية مجرد وجود أسماء لامعة، بل وجود فضاء عام نابض بالحياة، تتجاور فيه المدارس الفكرية المتعارضة، وتتنافس فيه الصحف والاتجاهات، بحيث يستطيع القارئ أن يبني وعيه الخاص من خلال المقارنة والاختلاف.
بالنسبة إلى جيلي، لم تكن القراءة ترفًا، بل كانت جزءًا من عملية التكوين الشخصي والذهني.
منذ الطفولة كنت أستمع إلى
BBC
وإذاعة مونت كارلو، وصوت أمريكا،
وأتعلم مبكرًا أن الخبر الواحد يمكن أن يُروى بأكثر من طريقة، وأن الحقائق نفسها تُقدَّم داخل أطر أيديولوجية وسياسية متباينة.
ولم يكن اهتمامي مقتصرًا على السياسة بل امتد إلى التاريخ أيضًا. كنت مولعًا به إلى حد أنني حفظت، تقريبًا، مسارات التاريخ الإنساني الكبرى؛ من الحضارات القديمة إلى الحروب العالمية، ومن الإمبراطوريات الصاعدة إلى لحظات الانهيار الكبرى.
أتذكر أن مدرس التاريخ كان أحيانًا يضيق بأسئلتي أو مداخلاتي المتكررة أثناء الشرح، فيقول مازحًا أو غاضبًا: «تعال أنت واشرح». وكنت بالفعل أقف أمام زملائي وأكمل الدرس، لا لأنني ابن ناظر ، وإنما لأنني كنت قد قرأت الموضوع مسبقًا، ونسجت حوله شبكة من القراءات والمراجع جعلته جزءًا من ذاكرتي اليومية.
في المرحلة الإعدادية والثانوية كان هناك طقس أسبوعي شبه ثابت’من الجمعة إلى الخميس’ ،قراءة صحف تمثل اتجاهات مختلفة: الأهرام، الأخبار، الوفد، الأحرار، الشعب، الأهالي، الجمهورية، إضافة إلى المجلات الثقافية والفكرية. لم يكن الهدف أن أتفق مع الجميع، بل أن أفهم كيف يفكر كل تيار، وكيف يبني منطقه، وكيف يصوغ حججه، وكيف يدافع عن تصوراته للعالم.
كنت أقرأ لمحمد حسنين هيكل، وفهمي هويدي، وصلاح عيسى، وجهاد الخازن، وعبد الباري عطوان، وعبد الله السناوي، وجمال سلطان، وإبراهيم عيسى، وعبد الحليم قنديل، ومحمد السيد سعيد، وعادل حمودة، وحلمي النمنم، وطارق البشري، وعزمي بشارة، وبرهان غليون، ورضوان السيد، وغسان شربل، وبلال الحسن، وسلامة أحمد سلامة، وجلال أمين، وحازم صاغية، وسمير عطا الله، ومحمد جابر الأنصاري.
وفي الوقت نفسه كانت هناك متابعة منتظمة لكتّاب ومحللين غربيين من مدارس فكرية متعددة، مثل ديفيد هيرست، وروبرت فيسك، وباتريك سيل، وجون بيلجر، ونوعام تشومسكي، وإدوارد سعيد، وفرانسيس فوكوياما، وصمويل هنتنغتون، وتوماس فريدمان، وبول كينيدي، وزبيغنيو بريجنسكي، وهنري كيسنجر، إلى جانب كتاب ومراكز أبحاث أمريكية وبريطانية كانت تمثل مدارس فكرية متعارضة، من المحافظين الجدد إلى الليبراليين والنقاد المناهضين للهيمنة الغربية.
أما أكثر الشخصيات التي تركت أثرًا في تكويني الصحفي والفكري، فكان عبد الحليم قنديل. لم يكن التأثر به سياسيًا بقدر ما كان تأثرًا بالمنهج والأسلوب. كنت أكتب بعض مقالاته كاملة بخط اليد مرات عديدة، لا بقصد التقليد الحرفي، وإنما لفهم البنية الداخلية للنص؛ كيف يبدأ الفكرة، وكيف يصنع الإيقاع، وكيف يحول الخبر إلى سؤال، والسؤال إلى تحليل، والتحليل إلى موقف.
كان عبد الحليم قنديل بالنسبة لي مدرسة في بناء المقال السياسي؛ تمامًا كما كان روبرت فيسك مدرسة في السرد الصحفي، وديفيد هيرست نموذجًا في تتبع التحولات العميقة داخل الشرق الأوسط، وجون بيلجر مثالًا للصحافة التي لا تنفصل عن البعد الأخلاقي.
في ذلك الزمن كان المجال العام مليئًا بالحركة. كانت المقالات تُنتظر، والحوارات تُناقش، والكتب تُحدث أثرًا، وكانت هناك حالة من الجدل المستمر، حتى مع اختلافاتنا الكبيرة مع كثير من الأسماء والتيارات.
أما اليوم، فالمشهد يبدو أكثر ازدحامًا من أي وقت مضى، لكنه أقل تأثيرًا. هناك وفرة هائلة في المحتوى، لكن ندرة في المرجعيات. أصوات كثيرة، لكن قلة من الشخصيات القادرة على إنتاج أفكار جديدة أو تشكيل وعي عام ممتد.
لذلك لا يبدو السؤال الحقيقي: أين اختفت النخبة؟ بل ربما يكون السؤال الأدق: أين اختفى المجال العام الذي كان يسمح للنخب بأن تتنافس، وتختلف، وتؤثر، وأن تنتج أجيالًا جديدة من القراء والكتّاب؟
لقد عشنا زمنًا كان فيه المقال حدثًا، والكاتب مرجعًا، والخلاف الفكري جزءًا من عملية إنتاج الوعي. أما اليوم، فثمة شعور متزايد بأن الضجيج انتصر على الفكرة، وأن التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج معرفة أكثر، بل أنتج فراغًا أكبر، حتى بدا وكأننا لا نعيش أزمة نخب بقدر ما نعيش أزمة زمن فقد شغفه بالمعنى نفسه. عرض أقل