كتاب وشعراء

ينابيع الروح.. قصة قصيرة بقلم الأديبة المغربية: زينب ندجار

في آخر المدينة، حيث تنتهي الطرق وتبدأ خرائط الغياب، كانت هناك بئرٌ لا يراها إلا الذين أثقلتهم الأسئلة.
كان الناس يمرُّون بجانبها فلا يرون سوى حفرةٍ مهجورة، أما المتعبون من رحلاتهم داخل أنفسهم فكانوا يسمعون خريراً خافتاً يصعد من الأعماق، كأنَّ الماء يتحدَّث بلغةٍ أقدم من الكلام.
في مساءٍ حزين، جاء رجلٌ اعتاد، كلما ضاق به العالم، أن يضع يده على جيب قلبه كأنَّه يتحسَّس شيئاً فقده منذ زمن، وكان يحمل حقيبةً مليئةً بالمرايا المكسورة؛ جمع فيها خيباته، ووجوه الراحلين، وبقايا أحلامٍ لم تكتمل.
اقترب من البئر ونظر فيها.
لم يرَ ماءً…
رأى طفولته، وقلبه قبل أن يتعلَّم الخوف.
ألقى أوَّل مرآة.
فانبثق ينبوع.
ألقى ذكرى خذلان.
فانبثق آخر.
وحين ألقى آخر ما تبقّى من وجعه، تفجَّرت الينابيع دفعةً واحدة، وراحت تركض بين الصخور كأنَّها عائدة من منفى طويل.
عندها أدرك السر:
لم تكن الينابيع في جوف الأرض، بل في أعماقه هو، وأن ما حجب ماءها لم يكن سوى أحزانه المتراكمة.
وحين أشرق الفجر، اختفت البئر.
وحلّ مكانها نهرٌ صافٍ.
أما الرجل فمضى خفيفاً كنسمة، ولم يعد يفتِّش عن ذلك الشيء الذي ظل سنواتٍ يتحسَّس غيابه في جيب قلبه، تاركاً وراءه عبارةً واحدة:
“لكلِّ روحٍ ينبوعها الخاص، لكن الماء لا يظهر إلا حين نكفُّ عن حمل الصحراء في داخلنا”.

*بقلم: زينب ندجار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى