سمير زين العابدين يكتب :تفكيك “الأكذوبة اللغوية”: كيف تحول مصطلح “إعلامي” إلى أداة لتزييف الوعي الجمعي؟

شهدت العقود الأخيرة في الفضاء العربي تضخماً لغوياً لافتاً تمثل في بزوغ نجم مصطلح فضفاض بات يُطلق مجاناً على كل من يظهر على شاشات التلفزيون أو يمسك بقلم صحفي:
إنه مصطلح “إعلامي”.
تحول هذا اللفظ من مجرد واصف مهني إلى “مظلة تجميلية” وصك وجاهة اجتماعية وسياسية.
لكن نظرة غائرة في بنية هذا المصطلح وسياقه التاريخي والسياسي، تكشف أنه ليس مجرد كلمة عابرة،
بل هو نتاج هندسة لغوية مقصودة،
صُممت بدقة لتمرير سرديات معينة وتوجيه الوعي المجتمعي في اتجاهات تخدم تثبيت أركان أنظمة بعينها وتمنع نقدها.
أولاً: السيمياء (علم دراسة العلامات والرموز) والتفكيك اللغوي.. ما هي وظيفة “الإعلامي” الحقيقية؟
إذا رجعنا إلى الجذر اللغوي لكلمة “إعلامي”، نجدها مشتقة من الفعل (أَعْلَمَ)، أي أخبر ونشر النبأ. وفي هذا الاشتقاق تكمن علة المصطلح؛
فالعملية هنا تسير في اتجاه أحادي خطي:
من الأعلى (السلطة/الموجه) إلى الأسفل (الشعب/المتلقي).
وظيفة “الإعلامي” في هذا السياق ليست البحث عن الحقيقة، بل “إعلام” الجماهير بما ترغب السلطة في أن يعرفوه ويؤمنوا به، بصرف النظر عن مدى صحته أو تطابقه مع الواقع.
هذا المفهوم يغيب تماماً في الأنظمة الديمقراطية التي لا تعرف هذا التعميم الفضفاض.
فالإعلام الغربي يرتكز على مفهوم “الصحافة” (Journalism) التي تنطلق من الأسفل إلى الأعلى؛
وظيفتها الأساسية هي مراقبة السلطة ومساءلتها وكشف الفساد باعتبارها “السلطة الرابعة”، وليست جهازاً بروباجندياً لتبرير سياساتها.
في البيئة المهنية الحقيقية، لا وجود لمهنة اسمها “إعلامي”، بل هناك تخصصات صارمة ومحددة لكل منها ميثاق شرف ومسؤوليات:
الصحفي الاستقصائي (Investigative Journalist): الذي يبحث وينقب ويكشف الحقائق الغائبة.
المراسل الميداني (Reporter): الذي ينقل الحدث من قلب الواقع بحياد وعين مجردة.
مذيع الأخبار الرئيسي (News Anchor): الذي يدير النشرة ويربط بين التقارير بمهنية وموضوعية تامة.
مقدم البرامج (TV Host / Presenter): الذي يدير حواراً متوازناً يمنح فيه أطراف النقاش مساحات متساوية.
المحلل السياسي (Political Analyst): الأكاديمي أو الخبير الذي يفكك الأحداث بناءً على معطيات علمية، وليس بناءً على إملاءات توجيهية.
المصور الصحفي وفني الفيديو (Photojournalist / Camera Operator): العين التقنية التي تنقل القصة الإخبارية بصرياً.
ثانياً: الجذور التاريخية.. من الدعاية الحربية إلى الفضائيات
لم يكن مصطلح “إعلامي” دارجاً قبل منتصف القرن العشرين؛ بل كان البديل المعبر هو “الصحفي” أو “الكاتب”.
ومع طفرة الراديو والتلفزيون في الخمسينيات والستينيات، تزامناً مع صعود المد القومي العربي والأنظمة العسكرية والشمولية، ولدت “وزارات الإعلام”.
هذه الوزارات كانت الوريث الشرعي والنسخة المعدلة لـ “وزارات الدعاية” (Propaganda) التي اشتهرت بها الأنظمة الشمولية كألمانيا النازية.
في الدول الديمقراطية، ألغيت هذه الوزارات بالكامل بعد الحرب العالمية الثانية، واستُبدلت بهيئات تنظيمية مستقلة (مثل Ofcom في بريطانيا أو FCC في أمريكا) ينحصر دورها في تنظيم البث التقني دون التدخل في السياسة التحريرية.
أما في العالم العربي، فقد تحول موظف الدولة في هذه المؤسسات التوجيهية إلى “رجل إعلام” أو “إعلامي”، وأصبحت كليات الإعلام الأكاديمية التي تأسست في السبعينيات أداة لترسيخ هذا المفهوم.
ومع ثورة الفضائيات في التسعينيات، تضخم المصطلح ليتحول إلى لقب تفخيم يُمنح لـ “نجوم الشاشة” الذين دمجوا الأدوار، فأصبح المذيع قاضياً، ومحققاً، وموجهاً للرأي العام في آن واحد.
ثالثاً: إسقاط الصفة.. “الأرزقية” وتزييف الوعي
بناءً على التفكيك المهني السابق، يصبح من الضروري مهنياً وأخلاقياً إسقاط صفة “إعلامي” أو “صحفي” عن مجموعة من الوجوه التي تصدرت الشاشات المصرية والعربية لسنوات، أمثال: أحمد موسى، عمرو أديب، نشأت الديهي، ومحمد الباز، وأشباههم من كتاب الصحف والمجلات الموجهة.
هؤلاء الأشخاص -بمنظور الصحافة الحرة- مجرد “أرزقية موجهين” يتقاضون الملايين، ليس لمهنيتهم الفائقة أو التزامهم بمواثيق الشرف الصحفي، بل لسبب وحيد:
رضا النظام وقربهم منه. إنهم موظفو بروباجندا وتعبئة سياسية، مهمتهم الأساسية تتلخص في:
تزييف وعي الناس:
عبر التلاعب بالحقائق،
وتصدير سردية أحادية تبرر الأزمات الاقتصادية والمعيشية،
وتصوير المؤشرات السلبية كإنجازات تاريخية.
شيطنة النقد:
مهاجمة كل من يقدم رأياً نقدياً أو حلولاً بديلة،
والتعامل مع المعارضين أو الخبراء المستقلين كـ “أعداء للوطن” أو “أصحاب أجندات خارجية”، عوضاً عن مناقشة أفكارهم بعقلانية.
هذا النمط لا يمت بصلة لـ “السلطة الرابعة”، بل هو ذراع ممتد للسلطة التنفيذية داخل بيوت المواطنين.
رابعاً: أزمة الثقة وانصراف الجماهير
النتيجة الحتمية لهذا الابتذال المهني كانت موت الجاذبية والملل من التكرار.
عندما يفتح المشاهد قنوات متعددة ليجد نفس الوجوه تبث نفس السردية المتطابقة وبذات نبرة الصراخ والتخوين، تفقد الشاشة قيمتها.
لقد أدى هذا الاغتراب عن هموم الشارع الحقيقية إلى انصراف شبه كامل للشباب، ومعظم الكبار عن هذه الشاشات التقليدية.
هجر الجيل الجديد هذا الإعلام التوجيهي بالكامل صوب الفضاء الرقمي والمنصات البديلة (يوتيوب، بودكاست، وتطبيقات التواصل الاجتماعي)،
ولم يتبقَ أمام شاشات التلفزيون إلا نذر يسير ممن غاب وعيهم بالفعل، أو من يبحثون عن تثبيت عاطفي لطمأنة مخاوفهم.
لكن السلطة لم تقف متفرجة؛
بل سارعت إلى إعادة تدوير نفس الوظيفة التوجيهية داخل الفضاء الرقمي.
فاستبدلت “الإعلامي التقليدي” بـ “المؤثر المدفوع” (Influencer) والجيوش الإلكترونية (الذباب الإلكتروني) بهدف إغراق الفضاء بالمعلومات المضللة وهندسة “إجماع مزيف”،
مما أدى إلى اختلاط الحابل بالنابل وفقدان منصات التواصل لعذريتها ومصداقيتها أيضاً.
خامساً: المخرج الحتمي.. هدم الهيكل وإعادة البناء
إن حصن المواطن العادي والأخير في هذه المعركة الشرسة على وعيه هو “إعمال العقل، والتسلح بالثقافة، وتنمية المعلومات من مصادر متعددة وموثوقة” للفرز بين الغث والنفيس.
ومع ذلك، فإن استعادة مصداقية الحقل الإعلامي العربي في المستقبل لا يمكن أن تتحقق بمجرد منح “هامش ضيق من الحرية” للمنظومة الحالية؛
فالهيكل التقليدي قد مات إكلينيكياً وفقد صلاحيته.
الحل الوحيد يكمن في إعادة بناء شاملة وجذرية، تبدأ من:
رفع يد الدولة والأجهزة الأمنية بالكامل عن المؤسسات الإعلامية والقنوات والصحف.
استقلالية المؤسسات مهنياً ومادياً،
وخضوعها لقوانين تضمن التعددية وحرية الرأي والتعبير.
إلغاء وزارة الإعلام (أو ما شابهها من الهيئات الصورية الموجهة) واستبدالها بنقابات مهنية مستقلة تحاسب على خرق مواثيق الشرف، وليس على خرق الرواية الرسمية.
حينها فقط، سيسقط مصطلح “الإعلامي الموجه” تلقائياً، وتولد من ركامه “الصحافة الحرة” التي تخدم المجتمع كعين راصدة، لا كلسان ناطق باسم الحاكم.