رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :فييتنام والذرائعية اليسارية

منذ التدخل العسكري الامريكي في فييتنام عام 1965 وحتى انسحابها عام 1973 وسقوط سايغون عام 1975 ، كانت الثورة الفيتنامية الرمز المتالق للتحرر الوطني ، وكانت الاكثر شعبية في العالم ، وشكل قادتها من امثال هوشي منه و الجنرال جياب و ولي دوان و فان فان دونج وغيرهم ايقونات الثورات التحررية خلال تلك الفترة.
وتلقت الثورة الفيتنامية المساندة من قوى التحرر العربي ومن القوى القوميىة والماركسية، وسعت التنظيمات الفلسطينية لعلاقات متميزة مع الثورة الفيتنامية بل اصبح الغناء لهوشي منه وجياب يتردد على لسان المطربين اليسارين العرب ،وتتردد الشعارات في الجامعات العربية تاييدا لرموز فييتنام ومساندة في حدود المستطاع.
وما ان بلغنا عام 1993(أي بعد 18 عاما من اعادة الترميم الفيتنامي لتداعيات الحرب مع امريكا) حتى اعلنت فيتنام اقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع اسرائيل ، دون اي اعتبار لمكانة اسرائيل في المنظومة الرأسمالية ناهيك عن انها –في الثقافة اليسارية- شكل من اشكال الاستعمار الاستيطاني لا يختلف عن النظام العنصري في جنوب افريقيا، وهو ما تبنته الامم المتحدة بقرار من الجمعية العامة عام 1975 ،اي في نفس العام الذي سقطت فيه سايغون.
ومنذ اقامة العلاقات الدبلوماسية بين هانوي وتل ابيب ، تنامت هذه العلاقات بشكل مضطرد ، وتوارى التنظير اليساري للمنظومة الاستعمارية في الادبيات الفييتنامية تدريجيا، وبرز ذلك في الظواهر التالية:
1- التعاون العسكري بين هانوي وتل ابيب: تقف اسرائيل في المرتبة الثانية بين مصادر التسليح لفيتنام وبخاصة في مجال الطائرات المسيرة وشبكات الرادار وانظمة الدفاع الجوي وبناء مصانع تحديث الدبابات والمدرعات.وفي عام 2025 وقعت الاستخبارات العسكرية الفيتنامية مع هيئة الصناعات الفضائية العسكرية الاسرائيلية عقدا بقيم 680 مليون دولار،وفي عام 2026 وقعت فيتنام مع شركة رفائيل الاسرائيلية لنظم الدفاع المتقدمة عقدا بقيمة 250 مليون دولار ، وتتم كل هذه الصفقات بناء على مذكرة التفاهم للتعاون الدفاعي بين الطرفين التي تم توقيعها عام 2015.
2- التعاون التجاري: عند اندلاع معركة طوفان الاقصى كان حجم التبادل التجاري الفيتنامي الاسرائيلي حوالي 2.2 مليار دولار، وارتفعت قيمة التبادل التجاري عام 2025 الى 3.63 مليار ،وبزيادة تصل الى 11.8% عن معدلها السنوي، منها 865 مليون صادرات فيتنامية لاسرائيل و 2.765 مليون دولار واردات فيتنامية من اسرائيل.وهو ما يعني فائضا تجاريا لاسرائيل يقارب 2 مليار دولار سنويا ، كما تزايد التعاون التكنولوجي والزراعي بين الطرفين بشكل مضطرد. لكن الملفت للانتباه انه قبيل معركة الطوفان وقعت اسرائيل وفيتنام على اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين ، واللافت في الامر ان هذه الاتفاقية هي الاولى بين اسرائيل وإقليم جنوب شرق آسيا الذي يضم 11 دولة (منها عشر دول تشكل منظمة التعاون الاقليمي المسمى آسيان(ASEAN) والتي يصل مجموع سكانها حوالي 700(سبعمائة) مليون نسمة.
3- السلوك التصويتي لفيتنام في الامم المتحدة منذ بداية الطوفان: لما كانت قرارات الامم المتحدة تمثل الجانب الناعم في العلاقات الدولية، فقد صوتت فييتنام بعد الطوفان لصالح خمسة قرارات في الجمعية تدعو الى هدنة انسانية وحماية المدنيين ،او الى الافراج عن الرهائن وادخال المساعدات، او حل الدولتين ، او تطبيق الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية القاضي بانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي المحتلة.
التحليل:
بالعودة لأدبيات الحزب الشيوعي الفيتنامي خلال المرحلة ما قبل سقوط سايغون ثم سقوطها وصولا للآن سنجد ما يلي:
أ‌- كان الوصف لاسرائيل قبل سقوط سايغون بانها حرفيا ” اداة امبريالية للاستعمار الغربي والهيمنة الامريكية”، لكنها الآن طبقا للبيانات الرسمية “الشريك المفضل في مجالات الزراعة والتكنولوجيا”.
ب‌- كان الحزب ينص وباستمرار وثبات على أن ” الكفاح المسلح الفلسطيني كفاح شرعي ويجب مساندته دون حدود باعتباره جزء من حركات التحرر الوطني”،اما الآن ففيتنام ترى ان 78% من فلسطين هي اسرائيل التي يعترف الحزب بشرعيتها وحقها في الامن والسلام.
ت‌- كان الصراع مع اسرائيل قبل سقوط سايغون هو في جوهره”صراع طبقي ” ، أما الآن فهو “نزاع سياسي”، وفرق كبير بين النزاع والصراع(Coflict-Dispute ) في قاموس العلاقات الدولية .
ث‌- في عام 1975 صوتت فيتنام لصالح قرار الامم المتحدة باعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية، ورفضت فيتنام ايضا عام 1991 التصويت لصالح الغاء القرار، لكنها اعترفت باسرائيل اعترافا قانونيا وواقعيا عام 1993، وتصرفت كما لو ان قرارات الامم المتحدة لا تعنيها.
ولفهم هذا التحول من النزعة الآيديولوجية الى البراغماتية لا بد من التوقف عند سياسة “الدوي موي”(التجديد او الابتكار) التي اعلنها الحزب الشيوعي الفيتنامي عام 1986، وتنص على “اقتصاد السوق الاشتراكي” الذي يعني طبقا للاعلان: السماح بالقطاع الخاص،التخلي عن الزراعة الجماعية ، وفتح المجال للاستثمار الخارجي وجذب الشركات متعددة الجنسية، والانفتاح على كل الدول بغض النظر عن بنياتها او سياساتها مع الآخرين، واعتبار القانون الدولي هو مرجعية السلوك الدولي ، ذلك يعني ان التحول الفيتنامي انتقل من سياسة خارجية تخدم الآيديولوجيا الى سياسة تُعلي شأن الفائدة الاقتصادية على غيرها من الالتزامات الآيديولوجية، وهو انتصار للبراغماتية التي تكتسح اليسار العالمي حاليا.
بالمقابل لا بد من التوقف عند المؤشرات الدالة التالية:
أ‌- مجموع ما قدمته فييتنام لفلسطين (للسلطة او التنظيمات او وكالة الغوث) هو 500 الف دولار فقط منذ 2023 الى يومنا هذا.
ب‌- تم عقد ما بين 3-4 ندوات اكاديمية فييتنامية عن الصراع العربي الاسرائيلي بعد الطوفان، وقامت مظاهرتان صغيرتان في هانوي وهوتشي منه فقط تأييدا لغزة.
الخلاصة: انها السياسة…ربما. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى