رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:جذور الفساد

كل انحطاط للسلطة هو دعوة للعنف* حنة آرنت.
من يعتقد ان مؤسسات السلطة العراقية العليا كالرئاسة والحكومة والبرلمان هي تكوينات محلية،
عليه العودة الى وثيقة التوجهات السرية الأمريكية وهي الخطة الاستراتيجية المعمول بها منذ تسعينات القرن الماضي وحتى اليوم ونحن لا نقرأ الوثائق المتعلقة بصناعة مصيرنا لكننا خبراء في معرفة تفاصيل الجيران ونؤرشف للاصدقاء الذين يتحولون الى اعداء وكل تلك التفاصيل التافهة ستتحول الى أسلحة. هذا حال الشعوب الذاهبة الى المستقبل عمياء.
بتاريخ 15/ 2/ 2003 وقبل الغزو بشهر كتبنا مقالة بعنوان صريح تعليقاً على هذه الوثيقة
وتخيل شكل النظام القادم يوم كانت السلطة قائمة: بعنوان” انطلاق وحش وقبيلة مركبة” لا يزال موجودا في منابر عدة.
في المقال الذي كتب تحت ضغط الاحداث حاولنا رسم المعالم العامة للنظام السياسي الجديد وتوقعنا عودة كاسحة للقبلية نظراً لتقارير موثوقة نشرت في ذلك الوقت عن فتح سجلات القبائل العراقية من قبل بريطانيا،
فليس هناك أكثر من التكوينات القبلية رفضاً للتغيير رغم ركوبها الموجة:
بتحالف القبائل مع رجال الدين، كما حدث مع عناصر منتقاة من النظام القديم مع شريحة جديدة من المقاولين جرى انتاجها بسرعة،
كجسر للعبور نحو السوق الحرة، وكل هذه عناصر محافظة ترفض أي تغيير
في الأوضاع، وربط كل ذلك بدستور وقوانين،
يكون قد تم وضع السلطتين السياسية والاجتماعية تحت التحكم الخفي التام.
بمعنى أدق وأوضح تم خلق” بيئة الفساد” السياسي والمالي والإداري قبل الاحتلال وبعده ورافق ذلك حملة اغتيالات للشخصيات الوطنية والثقافية والعلمية والعسكرية من علماء ورجال قانون وأطباء وخبراء وطيارين وفسح الطريق لنماذج من اللصوص وحفاة الأمس نحو خزائن الدولة المالية. أي عملية محو للطبقة الوسطى وأفغنة المجتمع العراقي شاركت فيها عناصر مخابرات دولية ومحلية وتمت ملاحقة نخبة الطبقة الوسطى كصيد الساحرات في أوروبا في القرون الوسطى. زرع البنية الأساسية لكل أنواع الفساد.
عندما تقوم سلطة محتلة بقتل نخب الطبقة الوسطى، وتفسح المجال لرعاع وحمقى وجهلة، فإنها تخلق مستنقع الفساد الذي لن يتم القضاء عليه بحملة عسكرية وأمنية لأنه هندسة سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية.
لقد تعاونت سلطة الاحتلال مع الأحزاب العراقية في خلق ” بيئة فاسدة” وفي المقابل اقصاء أو اغتيال ” أصحاب الرؤوس الحارة” وكل عنف وكل اقصاء هو دعوة للفساد العام وترك الدمى الحاكمة تتصرف
كما تشاء في الهوامش والاطراف في حين: السلطة والثروة والقرار تحت التحكم الخفي.
الولايات المتحدة لم تستطع يوما أن تحكم شعباً لكنها تحكم حكامه ومن خلالهم تستطيع السيطرة. مع ان الوثيقة تشمل كيفية التعامل الأمريكي مع أوروبا وروسيا ــــــــــــــــ توقعت الوثيقة انبثاق الروح القومية الروسية ـــــــــــ والصين،
لكنها تشير بوضوح الى كيفية التعامل مع دول آسيا والشرق الأوسط،
ويهمنا هنا رؤية الوثيقة للتصور الأمريكي في حال نصاً:
” حدوث تغيير وقائي في الدكتاتوريات وتحويلها الى أنظمة مقبولة
أو موجهة أو مضبوطة”، بعد اسقاطها بحجة اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان كما ورد نصاً”.
في حال حصول ذلك” التحول” في النظم الدكتاتورية عن طريق الانقلابات أو الحرب، فيجب” تاسيس آليات دستورية تقتصر ممارسة الديمقراطية على النخبة الحاكمة”.
الوثيقة كُتبت قبل الاحتلال بسنوات، لكنها خطة عمل جاهزة ومن تطبيقاتها
حول” ديمقراطية النخبة الحاكمة” تأسيس ” المنطقة الخضراء” وممارسة ” الديمقراطية المنخفضة الحدة” للنخبة الحاكمة بعد عزلها
عن الجمهور العام،
مع مؤسسة برلمانية مرفهة وشكلية بامتيازات مفرطة لكي يرتبط وجودها بوجود النظام السياسي نفسه،
تمارس طقساً استعراضياً عن الديمقراطية للتغطية وهذا يتطلب، حسب الوثيقة بوضوح:
” إضعاف المنظمات والحركات الشعبية والنقابية”،
لكن كيف يتم هذا الاضعاف؟ تقول الوثيقة:
” يتم اضعاف تأثير العناصر الثورية من مثقفين ونقابات بشكل مدروس عن طريق العنف المباشر الذي تمارسه القوة الثالثة ـــ السي آي أيه ــــ مع الانكار
النظري المختصر” ولا يحتاج النص الى تفسير ، أي اغتيال أصحاب “الرؤوس الحارة” المثقفين وهو وصف الوثيقة نفسها،
ثم الانكار المختزل، ونحن نعرف تطبيقات هذا النص على عناصر وطنية كثيرة والقاء الجريمة على منظمة ارهابية إما مخترقة
أو مصنّعة ومن لا تطاله يد الاغتيال فهناك الاقصاء والتهميش او شيطنة
صورته من خلال معارات شرقية ويتولى عملاء محليون وغوغاء هذا الدور ونشرها.
كل هذه الادارة للبلد شرط ” ألا يظهر الدور الأمريكي في الواجهة من أجل منح الحاكمين الجدد الهيبة أمام شعبهم” نص الوثيقة.
أي سياسة تحريك الدمى عبر ستار. لكن كيف سيكون شكل الهيئات القيادية الأخرى التي تشكل ما يعرف بالنظام السياسي كالرئاسة والحكومة
والبرلمان والقضاء، أي السلطات الثلاث؟
تقول الوثيقة إن ذلك يتم: ” من خلال دمج المؤسسات القيادية والدستورية
في ما بينها”،
مع أن كل نظم العالم الديمقراطية تقوم على فصل السلطات لكن ” الدمج” في حالة العراق للتحكم بالجميع،
اي تكوين سلطة المتاهة وتشابك وتداخل وتراكم الصلاحيات، وبمعنى أوضح توزيع السلطة على أطراف يستحيل الحصول بينها على اجماع وطني
في القضايا المصيرية مع ترك الهوامش لهم.
تم ذلك ” التوزيع” فعلاً للتحكم الخفي بمراكز القرار والتحكم أيضاً: ” بالواقع الاجتماعي مع أقل استخدام ممكن للإكراه القسري” كما ورد حرفياً وهو ما تم أيضاً اذ جرى التحكم بــ” الواقع الاجتماعي” من خلال النخبة الحاكمة، أي التحكم بالسلطتين:السياسية والاجتماعية،
وكل ذلك مر من خلال تشريعات كالدستور والقانون لجمت الواقع وأي حركة للتغيير. وهذه بالضبط بيئة حاضنة ومنتجة للفساد المنظم الذي لا يمكن القضاء عليه باجراءات بوليسية وعمليات ترقيع لأنه تغلغل في صميم الدولة والمجتمع وانتج ثقافة مشوهة ومنحرفة ومعايير منحطة.
الفساد العراقي معولم كالوباء وصل الدول الاسكندنافية ذات الثقافة الخاصة وتحول زعماء عصابات من اصول عراقية في السويد والنرويج الى مشكلة خطيرة أمثال راوا ماجد زعيم شبكة “فروكستروت Foxtrot و إسماعيل عبده الذي أدخل السويد في حرب شوارع بعد اغتيال والده من عصابة، ومصطفى الجبوري القيادي في عصابة “فروكستروت” وقد تم اغتياله رمياً بالرصاص في منطقة العامرية بالعاصمة العراقية بغداد في مطلع عام 2024 على يد قناص يحمل أيضاً الجنسية السويدية في تصفية حسابات، وأحمد قدورة الملقب بالعقرب تجارة مخدرات واسلحة ومقره مدينة مالمو السويدية وغيرهم. لقد ولد جيل عراقي في حروب ومعايير ثراء مشوهة وتجهيل ونظام فاسد ومفكك.
كما يقوم نصابون بتأسيس اندية ثقافية شكلية وجوامع للحصول على منح مالية للعقائد والثقافة وسرقتها وهناك من يقبض رواتب من العراق ـــــــــــــــ كالنائب السابق علي العلاق المتهم في الدنمارك بالاحتيال الضريبي وامثاله في كل الاحزاب ــــــــ حتى لو ولد هنا في الخارج ورواتب من هذه الدول.
النظام السياسي نفسه تمت هندسته على الفساد والاقصاء والاغتيالات ونخبة انتهازية من الرعاع واللصوص تحولوا الى مراكز قوى مسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع واقصاء وتهميش النخب الوطنية النزيهة وأي محاولة لتعقب اللصوص الكبار يؤدي الى تقويض وانهيار النظام السياسي كله كإنهيار عمارة تقف على عمود معوج تمت إزالته.
ــــــــــــــ توضيح: تُعرف “وثيقة التوجهات السرية الأمريكية” باسم “مُسودة إرشادات تخطيط الدفاع” (Defense Planning Guidance) لعام 1992، والتي تسربت إلى صحيفة “نيويورك تايمز” وأثارت ضجة هائلة حينها. تعتبر هذه الوثيقة حجر الزاوية لما عُرف لاحقاً بـ “عقيدة ولفويتز ” نسبةً إلى بول ولفويتز الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع للسياسات آنذاك وفي غزو العراق الذي يرجح كثيرون انه وزلماي خليل زادة الذي عين سفيرا في العراق بعد الاحتلال من كتب تلك الوثيقة وهم من عتاة دعاة الحرب والتطرف.
يمكن العثور على هذه الوثيقة في كتاب” نادي القتلة: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”لـلمفكر الألماني مايكل أوبرسكالسكي. مترجم للعربية. قال الكاتب محمد حسنين هيكل إنه صُدم عندما قرأ الوثيقة التي تتعلق بصنع مصيرنا ونحن لا نقرأ هذه الوثائق وهناك من يطالبنا بالاختصار لأن بضع دقائق في قراءة مصيره مكلفة ومزعجة وشعوب العالم تقرأ واقفة في القطارات والحافلات وفي المطارات. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى