رؤي ومقالات

الكاتب الصحفي محمد أبوحلاوه يكتب عن: طبــــاع الضــــــباع!!

هناك أشياء تعلمتها من البرمجيات، وأشياء أخرى تعلمتها من البشر، وبين الاثنين اكتشفت حقيقة واحدة:
ليس كل ما لا تراه غير موجود، وليس كل ما يختفي قد اختفى فعلًا.
في عالم البرمجيات، قد تُحجب صفحة، أو يُغلق رابط، أو يُخفى محتوى، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن أثره اختفى. هناك بيانات، وسجلات، وروابط، وتوقيتات، ومسارات، ونسخ أخرى قد تكشف ما ظن صاحبه أنه أصبح بعيدًا عن الأنظار.
ومع الوقت، بدأت أنظر إلى البشر بالطريقة نفسها.
الإنسان قد يخفي نيته، لكنه نادرًا ما يستطيع إخفاء نمطه.
قد يخفي كلمة، ويبرر موقفًا، وينكر فعلًا، ويغير روايته، بل وربما يختفي تمامًا… لكنه يترك خلفه أثرًا.
وأنا بطبعي لا أحب الحكم من أول مشهد.
أراقب.
أصمت.
أجمع الصورة.
وأؤجل الحسم على الرغم من الدليل القاطع .
ليس لأنني لا أستطيع أن أحسم، وإنما لأنني تعلمت أن الحكم المبكر قد يظلم الحقيقة، أما الانتظار فيمنحها فرصة لأن تكشف نفسها بنفسها.
ولهذا ربما أصبحت أكثر هدوءًا مما ينبغي.
ليس كل صمت ضعفًا.
وليس كل تجاهل غفلة.
وأحيانًا يكون الصمت هو الطريقة الوحيدة التي تمنح الطرف الآخر فرصة كافية ليقول كل شيء، دون أن يشعر أنك تسمعه.
طباع الضباع…
لا أعرف لماذا ارتبطت الضباع في ذهني دائمًا بصورة مختلفة عن الذئاب.
في الصورة التي ألهمتني، الضبع لا يحتاج إلى مواجهة واضحة؛ يكفيه أن يستنزف، وأن يقترب حين يظن أنك ضعيف، وأن يختبر حدودك مرة بعد أخرى.
وهناك بشر يفعلون الشيء نفسه.
لا يواجهونك.
لا يقولون ما يريدون.
لا يضعون أوراقهم على الطاولة.
لكنهم ينهشونك بالتدريج؛ كلمة هنا، موقف هناك، طعنة صغيرة في كل مرة، ثم يتظاهرون بالدهشة عندما تكتشف الصورة كاملة.
وهؤلاء
لا يفهمون شيئًا واحدًا:
أن التراكم دليل.
كل موقف منفرد يمكن تفسيره.
لكن عندما تتكرر المواقف بالطريقة نفسها، يصبح التفسير مجرد محاولة للهروب من الحقيقة.
أما الذئاب، فلها عندي حكاية أخرى.
أحب فيها معنى الصبر والرصد قبل الحركة.
لا أحب الاندفاع لمجرد الغضب.
أحب أن أراقب المشهد، وأقرأه، وأعرف أين أضع قدمي، وأنتظر اللحظة التي يصبح فيها القرار واضحًا.
وهذا بالضبط ما تعلمته في حياتي:
لا تبدأ مواجهتك قبل أن تعرف لماذا بدأت، ولا تتكلم قبل أن تعرف ماذا تملك، ولا تكشف كل ما تعرفه لمجرد أن تثبت أنك تعرف.
فليس الهدف أن تقول للآخر: أنا أعرف.
الهدف أن يأتي الوقت الذي يصبح فيه الإنكار نفسه بلا قيمة.
ربما يظن البعض أن ابتعادي يعني أنني لم أعد أرى.
وهذا خطأ.
أنا فقط لا أرى فائدة في التعليق على كل شيء أراه.
قد لا تراني، لكن هذا لا يعني أنني لا أراك.
وقد لا أتكلم، لكن هذا لا يعني أنني لا أفهم.
وقد أبتسم لك، ليس لأنني صدقت روايتك، وإنما لأنني ببساطة لا أحتاج إلى مقاطعتك وأنت تكمل الرواية التي ستستخدمها الحقيقة ضدك لاحقًا.
تعلمت أن من يراقب جيدًا لا يتعجل الحركة.
يرصد.
يتأكد.
يجمع الصورة.
ثم يقرر.
وأنا كذلك…
لا أحب الحسم المبكر.
بل ربما كنت دائمًا أكثر شخص يؤجل الحسم، لأنني أكره أن أقول “انتهى الأمر” قبل أن أكون متأكدًا أنني رأيت الصورة كاملة.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين تأجيل الحسم وبين إلغائه.
للصبر حدود.
هناك مرحلة يكون فيها الإنسان في حاجة إلى الشك.
ثم تأتي مرحلة أخرى يصبح فيها الشك نفسه ظلمًا للحقيقة.
وهنا يبدأ الفرق.
في الماضي ربما كنت أمتلك إحساسًا.
اليوم أمتلك فهمًا أكبر.
وفي أوقات كثيرة لم يعد الأمر مجرد إحساس أو توقع أو قراءة بين السطور.
هناك أشياء أصبحت أوضح.
وأنا لا أحتاج إلى أن أشرح لمن أمامي ما أعرفه.
لأن الدليل الحقيقي لا يحتاج إلى خطبة طويلة.
يكفي أن يوضع أمام الحقيقة.
لهذا لا تقلق إذا لم ترني.
ولا تطمئن كثيرًا لأنني صامت.
ولا تعتبر ابتعادي هروبًا.
ربما يكون العكس تمامًا.
ربما أنا فقط أعطيك الوقت الكافي لتكمل ما بدأت.
لأنني تعلمت من البرمجيات أن كل شيء يترك أثرًا.
وتعلمت من البشر أن الأثر المتكرر يتحول إلى نمط.
وتعلمت من الذئاب أن الصبر قبل القرار قوة.
وتعلمت من الضباع أن النهش المتكرر يكشف صاحبه أكثر مما يؤذي ضحيته.
وفي النهاية…
أنا لا أخشى الحقيقة، ولذلك لا أستعجل الوصول إليها.
أما أنت، فربما عليك أن تخشى اليوم الذي لا أحتاج فيه إلى أن أسألك شيئًا.
لأنني في ذلك اليوم…
ستكون أنت قد عرفت الإجابة بالفعل.
وتصبح أنت في ورطة كبيرة لن تخرج منها مرة أخرى
أعدك أن قررت اجعلك أن تندم على اليوم التى ولدتك فيه أمك وتصبح أمام نفسك والجميع مقروء دون تجميل أو تقيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى