
ليس تاريخنا نتاج حتميات وتسلسل حوادث أو منطق بل تصنعه نزوات وحماقات ومصادفات وأهواء ورغبات، وعادة يبحث المؤرخون في السجلات والوثائق عن شهود كبار وقادة وزعماء ومسؤولين لكنهم يتجاهلون الزوايا المعتمة وشهادة المهمشين والظلال الخفية التي تصنع الحدث الكبير ، أو التاريخ من أسفل.
من هنا يتقاطع الخطاب السردي الروائي مع خطاب المؤرخ والسياسي ، لأن سردية الروائي تبحث في الظلال الخفية ، في الأماكن المعتمة، في التقاط المنسي والمهمل والمبعد من الشهادة. بتعبير أدق : التاريخ من الأسفل، من القاع، وليس من الأعلى من السجلات الرسمية المزيفة.
ليس الأمر جديداً . لم يكن الامبراطور الروماني جوليان يتوقع في القرن الثالث بعد الميلاد في حملته على بابل أن يقنص له عدو في تمارا ـــــــــــ سامراء الحالية ــــ ويجندله بسهم مسموم كجورب عتيق من فوق جواده وتفشل الحملة،
ولم يخطر ببال مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة الاموية أنه سيُقتل وهو يتبول في زاوية في ساحة حرب بسهم قاتل وصار مثلاً يضرب بنهاية دولة: انتهت ببولة.
في فجر يوم السابع عشر تموز عام 1968 كان تاريخ العراق يُصنع في غرفة حمراء بين كولونيل حامل مفاتيح القصر الجمهوري وبين عشيقة فاتنة في شقة منزوية في عاصمة الرشيد،
في حين كان الانقلابيون على أبواب القصر حسب موعد مسبق وقد بزغ الفجر وليس هناك أي أثر لكولونيل المعدة وما تحت الحزام كما يُلقب سعدون غيدان في جلسات كبار الضباط، وتلك واحدة من كثير من الحوادث التي لا يذكرها المؤرخون.
التاريخ السردي المخفي والمسكوت عنه الغاطس في التفاصيل
لان تاريخنا رواية سلطة واحزاب وجماعات متحيزة وهو تاريخ مروي رغبياً،
وأما التاريخ السياسي، فهو تاريخ تخيلي ووصم ومعارات صبيانية ومرويات احزاب وكهاوي وخصومات وبارات ووشايات وهذه عناصر المدرسة السياسية العراقية في حين في غالبية دول وشعوب العالم هناك مدرسة سياسية واضحة المعالم والأعراف والقوانين إلا في العراق مدرسة واحدة للشلايتية سلطة ومعارضة وكلاهما وجه واحد للقمع والارهاب ويتناوبون على السلطة كما في غرفة اغتصاب.
تأخر قدوم الكولونيل العقيد الركن سعدون غيدان عشر دقائق تقريباً
وتلك الدقائق العشر هي التي عصفت بالعالم وصنعت احداثا كبرى
بل نحن اليوم نعيش نتائج ليلة العقيد الحمراء.
التاريخ ليس دائما يتشكل من اسباب ومقدمات ونتائج وحتميات
خاصة تاريخنا حيث تلعب الحماقات دورا في صنع تاريخ .
فكر الانقلابيون بالانسحاب خوفاً من الانكشاف وكانت عقارب الساعة تقرع الرؤوس كالمطارق حسب شهادة الاستاذ صلاح عمر العلي في حوار مطول بيننا يوم كان رئيس تحرير جريدة “الوفاق ” المعارضة في لندن وكنت محررا رئيسيا فيها طوال سنوات التسعينات،
وهو أحد انقلابي ذلك اليوم وشاهد على الحدث وخرج مبكراً من النظام الى الخارج.
تلك اللحظات كان الناس غارقين في النوم كما اليوم، لا شيء يلوح في الأفق أن حدثاً عاصفاً سيغير تاريخ العراق، وغرفة العشيقة الحمراء تشع بالاغواء،
وحضرة الكولونيل بعد تلك الليلة المرهقة، وزجاجة الويسكي الفارغة على الطاولة الصغيرة،
مُستنزف الطاقة ويوشك على النوم، بل نام ونسي تماماً ساعة الصفر مع الانقلابيين،
وكيف يتذكر ساعة الصفر وهو أمام هذا الجسد المشع كرخام أبيض ينزلق فوقه ظل ناعم؟
أيهما أفضل النهوض للمشاركة في صنع تاريخ، أم النوم الى جوار جسد بهي والمشاركة في صنع لذة واللذة تتناقض مع السلطة لانها بلا تاريخ تولد وتموت في ومضة واحدة ولا غرض لها غير ذاتها في حين السلطة تبات واهداف ؟
كانت الجماهير نائمة تلك اللحظات كما اليوم، المثقفون عادوا من الحانات بعد منتصف الليل كالعادة بعد ثرثرة لا تنتهي عن الريادة الشعرية وقصيدة النثر والوجودية وتروتسكي وفرويد وفكرة الكفاح المسلح في غرف الدخان.
كان الروائي فؤاد التكرلي أفضل من جسد انفصال نخب السياسة والأدب عن الواقع في روايته” الرجع البعيد” كيف كان الثوري اليساري غارقا في الخمر وكتابة رسائل الغرام الى ” البجغ” الذي تعلق به ـــــــــــــــ حسب وصف التكرلي ـــــ في حين كان انقلابيو الثامن من شباط 1963 يهاجمون الزعيم قاسم في وزارة الدفاع في لحظة مفصلية ومنعطف غير تاريخ العراق الى اليوم ولسنوات قادمة ومن وقف خلف الانقلاب في الظلام هم من قاموا بالغزو والاحتلال عام 2003 ونحن ننسى تسلسل الاحداث.
عربة يجرها حصان تحمل الشاعر جان دمو وسركون بولص مستأجرة للمزحة من شارع فرعي في البتاويين كملوك سكارى يتجولون في عاصمة الوهم،
في حين كان الشاعر عبد الأمير الحصيري قد إنتهى تواً من التبول في الغبش الأزرق الذي يسبق الفجر على جدار” فندق السفير” في شارع أبو نؤاس،
وكان الشاعر عبد الامير الحصيري مغرماً بالواجهة الزجاجية المعتمة
للفندق وهي واجهة شفافة بالأزرق الفاتح تلوح كملاذ من صيف بغدادي مهلك وقيظ مشتعل.
كان لا يملك مكانا للنوم غير مصطبة في حدائق شارع ابو نؤاس قرب مقهى عزاوي ومقابل عمارة وكالة الانباء العراقية سابقاً وهو يطرد أي شخص يجده جالساً عليها خاصة في أصياف بغداد الساخنة وهي مساحته الوحيدة للنوم والحلم والانين،
ومرة وجدني في منتصف نهار صيفي قائظ وملتهب نائما فوقها وهي تحت شجرة كما لو انني ارتكبت خطيئة في النوم بلا اذن في قصر لويس السادس عشر. تشاجرنا على ظل شجرة قرب القصور الفارهة ولا تزال المعركة على ” ظل” آمن ومسالم وهادئ مستمرة في العراق وكل فرد يخوضها بطريقته الخاصة. سيبقى” الظل الآمن” غائباً لسنوات قادمة.
جاء الحصيري من النجف شابا نقيا مليئا بأحلام الكتابة والعلاقات الانسانية لكنه صُدم بعالم بغداد ونخبها واستغرق في الخمر وعاش صحوها سكرا وتوفرت لي فرصة علاقة معه وهو من نصحني ألا أقترب من التجمعات الادبية ولم أقترب حتى اليوم.
يذكر الشاعر سعدي يوسف ــــــــــــــــ الرابط أدناه ـــــــــــــ في مقال عن الخصيري: أسطورة شاعر: إنه وجده مدمى منتصف الليل في باب اتحاد الادباء العام مضروبا من الادباء لأته أراد النوم في الاتحاد كما حدث مع الشاعر عبد اللطيف الراشد المشرد الذي جاء منتصف الليل للنوم في الاتحاد وطردوه لكن الاتحاد اقام فاتحتين للحصيري وللراشد كموتى وهو تقليد لم يتوقف.
كما لو قرع ناقوس في رأس كولونيل السراويل الحمراء، دق جرس غامض واشارة قادمة من قيعان اللاوعي والعقل الباطن عن موعد مر وانقلاب وشيك ومفاتيح يجب أن تُسلم لانه كان امراً في الحرس الجمهوري.
جفل فجأة وأرعب العشيقة النائمة وهو يردد: ” فات الأوان، فات الأوان”.
من الممكن أن ينسى الشخص مفاتيحه أو حافظة نقوده لكن أن ينسى
ساعة صفر لإنقلاب فأمر خارج المنطق إذا كان منطق في تلك الوقائع الغريبة وفي تاريخ العراق الذي تصنعه الحماقة والنزوة والصدفة عادة بلا سياق ولا تسلسل كما حدث في الماضي وكما سيحدث في اية لحظة اليوم، كان الكولونيل في متاهة.
قبل ليلة الانقلاب على الزعيم عبد الكريم قاسم في الثامن من شباط 1963،
كانت راقصة ملهى تعرف بساعة الصفر من خلال عشيق ضابط انقلابي متوله بها، في حين كان ” المثقفون” الذين يشمون الخطر على مبعدة أميال
كما تقول كراريس تلقين الببغاوات، يغطون في نوم الوعي ونوم التاريخ ويسحلون في الصباح في الشوارع ويقتلون كصيد الساحرات في أوروبا في القرون الوسطى.
فشل مثقفو الحانات في الرؤية والاستشراف وشم الخطر والتوقع ونجحت بنات الليل والغرف الحمراء والمومسات والراقصات في معرفة ماذا سيحدث في اليوم التالي وسراديب السياسة كما اليوم وغدا.
نحن في التاريخ نفسه. تلك اللحظة في الفجر كان الرئيس عبد الرحمن عارف
يغط في نوم عميق بعد ثلاث العاب شطرنج مع أمر وحدة الحماية الخاصة خسرها جميعاً،
ولم يكن يعرف الرئيس أن آمر الحماية مشارك في انقلاب الفجر وكما لو أنها نبوءة قال الرئيس وهو يسترخي في كرسيه:
” أن يموت الملك أفضل من التضحية بحياة جنود أوفياء ولو في لعبة شطرنج”.
جفل آمر الحرس من هذه العبارة كما صرّح لصحيفة محلية يوماً، فسرها أول الأمر تلميحاً حاداً لدوره في الانقلاب لكن الرئيس غرق في نعاس عميق وتهدل راسه فوق الكرسي، وتلك كانت المرة الأخيرة التي يتهدل راسه فوق الكرسي الرئاسي اللعين قبل أن يشحن في سيارة نفايات الى المطار ثم الى المنفى في سراويل النوم وقد رافقه الى المطار صلاح عمر العلي نفسه وكان الرئيس المخلوع يردد في الطريق:
” من أنتم؟”
كلنا الحاكم والمحكوم نطرح الأسئلة بعد فوات الأوان وموت الواقع “من أنتم”العبارة نفسها التي سيرددها العقيد القذافي ومبارك وزين العابدبن أيام الغليان وهؤلاء لا يعرفون من يحكمون إلا من تقارير الأمن والمخابرات الملفقة.
في اللحظة الأخيرة هبط سعدون غيدان من السيارة مترنحاً وإحتاج لحظات لكي يتوازن ويمشي، وكان يتأرجح كتاريخ مضطرب على وشك التشكّل،
وكل خطوة من خطواته كانت تعلن ميلاد أجيال ليلة الغلطة:
الأجيال التي ولدت تلك اللحظات في غرفة حمراء، من تزاوج الغفلة والتاريخ المغلق وثقافة العطب والخفة والغطرسة:
أي حضارة تلك التي تتهاوى بحفنة مسدسات، ودبابة عاطلة لكي تعلن ولادة المذبحة المستمرة؟
ليلة كولونيل السراويل الحمراء الذي مات برتبة فريق ركن، انتجت وطناً يشبه المسلخ، من الحروب الى الحصار والاحتلال والارهاب والطريق المجهول الذي لا أحد يعرف كيف ومتى ينتهي، لكنه سينتهي بالارتطام الأخير:
متى يحدث الارتطام الأخير لهذا القطار الذي يحمل ركابه الميتين ؟
ـــــــــــــــ الصورة : الشاعر عبد الامير الحصيري نائما على الرصيف عام 1973 ووسادته حقيبة كتبه: قال عنه الجواهري: الحصيري أشعر الشعراء بعدي. كتب الحصيري في ديوانه ” أنا الشريد”:
” أجائعٌ، أيَّ شيءٍ ثمَّ يا قلقُ
أَمنْ حطاميَ هذا يمطرُ العبقُ؟
أنا الشريدُ لماذا النَّاسُ تذعرُ من
وجهي وتهربُ من أقدامي الطرقُ؟”.
مات في فندق في” الصالحية” بغداد عن عمر يناهز 43 عاماً فجأة.
كتب سعدي يوسف: