صحه ومرأه

د. أسامة حمدي يكتب :خطوة فارقة في تاريخ العلم: هل وصلنا الى علاج حاسم للسكر من النوع الأول؟

منذ إكتشاف الانسولين لم نجد اكتشافًا كهذا، فلقد أعلن فريق سويدي -منذ أيام- عن أول حالة تُزرَع لها خلايا بنكرياس معدلة جينيًا بحيث لا تحتاج أدوية مثبطة للمناعة بعد زراعتها في اليد، والمدهش أن الخلايا استمرت في افراز الإنسولين بكفاءة لمدة ١٤ شهرًا متواصلًا دون أن يهاجمها جهاز المناعة. فبعد نجاح معجزة تحويل الخلية العادية (من الجلد أو الدهن) إلى خلية جزعية خارج الجسم (دون الحاجة إلى أجنة أو حبل سري) ثم إعادة تحويلها إلى خلية بنكرياس تفرز الإنسولين، وزراعتها بنجاح داخل الكبد، أصبحت المشكلة الوحيدة الباقية هي كيف نحمي هذه الخلية المخلقة من الجهاز المناعي للجسم، الذي سبق أن دمر خلايا البنكرياس؟ وكيف تحافظ عليها وتغذيها وتمدّها بالأكسجين لتعيش في بيئتها الجديدة دون أن تموت؟
وكان الحل المرجو هو تصميم كبسولة توضع داخلها هذه الخلايا وتسمح بمرور الجلوكوز والإنسولين من خلال جدارها، ولا تسمح بمرور الأجسام المناعية. لكن مع الأسف لم تنجح هذه الفكرة حتى الآن، فكان البديل الوحيد هو إعطاء المريض أدوية مثبطة للمناعة، مثلما يحدث بعد زرع الكلى، أو الكبد، أو القلب؛ لمنع لفظها كأجسام غريبة، لكن هذا الأدوية كانت تخفض مناعة الجسم على نحو كبير؛ مما يجعل المريض معرضًا بسهولة لأي عدوى ميكروبية أو ڤيروسية لا تُحمد عقباها. فأصبحنا كأننا نبادل خطرًا بخطر آخر. ولقد نجحت هذه التجارب، وتعافى نحو ١٦ مريضًا حتى الآن، وتوقفوا تمامًا عن العلاج بالإنسولين، وشفوا تمامًا، وأصبح الخطر الوحيد احتمال تعرضهم لعدوى. ومن المنتظر الموافقة على هذا العلاج مع استخدام الأدوية المثبطة للمناعة للحالات الصعبة التي تعاني تكرار انخفاض السكر، وعدم الشعور بأعراضه في ٢٠٢٨.
ولكن الإنجاز المبهر للفريق السويدي هو نجاحه في تعديل خلايا بنكرياس لتصبح خلايا شبحية لا يراها الجهاز المناعي hypoimmune cells، ولا يهاجمها الجسم، فتعيش وتفرز الإنسولين تمامًا كالبنكرياس السليم، دون الحاجة إلى أدوية تثبيط المناعة، أو احتمالات العدوى، وكانت هذه هى أكبر العقبات المتبقية للحصول على علاج حاسم ونهائي للسكر من النوع الأول. بالطبع سيحتاج الأمر حتى تتم الموافقة النهائية عليه إلى أبحاث المراحل الثلاث التي قد تستغرق من ٣ إلى ٥ سنوات ليكون لدينا بعد ذلك علاج نهائي وحاسم لهذا المرض الذي حيرنا علاجه.
سعادتي بهذه الحالة لا توصف، فهى البداية الحقيقية التي كنا نرجوها منذ زمن. مرحبًا بالعلم الذي أتمنى أن نجني ثماره قريبًا، فأول الغيث قطرة، وليتنا نجاري العالم في تطوره بدلًا من الجلوس في انتظار ثمار عقله وعلمه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى