رؤي ومقالات

د . ميخائيل عوض يكتب : خطاب حاد للشيخ الأمين هل هو فك ارتباط مع السلطة أم نذير انفكاك العلاقة مع أمل وانهيار الثنائي ؟؟

خطاب حاد للشيخ الأمين، هل هو فك ارتباط مع السلطة أم نذير انفكاك العلاقة مع أمل وانهيار الثنائي؟

ميخائيل عوض  /لبنان

وفد أمريكي للبنان لإنقاذ نتنياهو في الانتخابات وتلة علي الطاهر شرط فوزه! ترمب ينتقل من العمل العسكري إلى الحصار الاقتصادي ويعلن هرمز أرض أمريكية ويدعو الامريكيين لتحمل الغلاء! تهديد إيران للشرع كذبة هدفها تبرير عجز في الحشد الشعبي .

بين خطاب نعيم قاسم وتحول ترامب وكذبة تهديد إيران للشرع: قراءة في ميزان القوى ومسارات الحرب

في قراءة جديدة لمسارات الحرب والتحولات المتسارعة في المنطقة، نتوقف  عند ثلاثة ملفات مترابطة تكشف، طبيعة المرحلة الجديدة
خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم وما حمله من رسائل سياسية وتنظيمية، والتحول اللافت في خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لغة التهديد والعمل العسكري المباشر إلى لغة الدفاع والحصار الاقتصادي، ثم الرواية المتداولة عن تهديد إيران لسلطة الشرع في سوريا في حال تدخلها في لبنان، والتي نرى أنها تفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق والوقائع.

هذه الملفات، على اختلاف ساحاتها، تجتمع حول سؤال واحد: كيف تغير ميزان القوى بعد الحرب، ومن بات يملك المبادرة ومن بات يحاول إدارة الخسائر والتكيف مع نتائجها؟

*أولاً: خطاب الشيخ نعيم قاسم ورسالة كظم الغيظ*

نضع  خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في سياق شديد الحساسية، ولا نتعامل معه بوصفه مجرد خطاب في مناسبة ذكرى النصر والتحرير، بل باعتباره خطاباً سياسياً يحمل إشارات حادة إلى فك العلاقة مع السلطة اللبنانية وإلى وضع البيئة الشعبية للحزب في المرحلة المقبلة.

فاللغة التي استخدمها الأمين العام، بحسبقراءتنا، كانت حازمة وواضحة وعالية السقف، وتضمنت اتهاماً مباشراً للسلطة اللبنانية بإجراءات سلطة الوصاية الخارجية تستهدف المقاومة وسلاحها، بالتوازي مع دعوة القاعدة الشعبية إلى كظم الغيظ والصبر وعدم الانجرار إلى ردود فعل متسرعة، وانتظار اللحظة التي يصبح فيها التحرك ضرورياً وممكناً ومحققاً للمصلحة.

وهنا نرى أن أهمية العبارة لا تكمن في مضمونها اللفظي فقط، وإنما في الجهة التي وُجّهت إليها الرسالة.

فالخطاب، وفق هذا التحليل، يحمل رسالتين متوازيتين: الأولى إلى السلطة اللبنانية مفادها أن ما يجري ليس مقبولاً ولن يمر من دون حساب، والثانية إلى البيئة الشعبية للحزب مفادها أن ضبط النفس ليس تراجعاً ولا قبولاً بالأمر الواقع، بل هو جزء من إدارة المعركة وانتظار الظروف المناسبة.

ومن هنا نطرح  السؤال الأكثر حساسية: إلى أين يتجه هذا المسار؟ وهل نحن أمام مجرد تباين في الأداء داخل ما عُرف تاريخياً بالثنائي الشيعي، أم أن التباين قد يتطور إلى افتراق سياسي أكبر ينتهي بانهيار الثنائي؟

لا نذهب إلى ترجيح انهيار العلاقة بين حزب الله وحركة أمل، بل نضع احتمال فك الارتباط في مرتبة محدودة، نشير إلى أن عوامل كثيرة تجعل الانهيار الكامل للثنائي أمراً غير مرجح في المدى القريب.

فالواقع اللبناني، وطبيعة العلاقة بين الطرفين، وتجربة رئيس مجلس النواب نبيه بري الطويلة، وعلاقاته السياسية، إضافة إلى عمق العلاقة مع إيران، كلها عوامل تجعل من المبكر القفز إلى استنتاج أن التباين الحالي يعني بالضرورة انهيار الثنائي.

لكن ذلك لا يلغي، في المقابل، حقيقة وجود تباين متزايد في المواقف والأداء السياسي والإعلامي، وهو تباين يمكن تفسيره وفقرؤيتنا بأكثر من طريقة: قد يكون توزيعاً للأدوار، وقد يكون نتيجة اختلاف في تقدير المرحلة، وقد يكون بداية افتراق إذا استمرت الضغوط وتعمقت الخلافات.

ولهذا نقرأ  خطاب نعيم قاسم بوصفه مؤشراً نوعياً، لا لأنه أعلن القطيعة، بل لأنه رفع مستوى الاعتراض السياسي إلى درجة بات معها السؤال مطروحاً بصورة علنية: إلى أين تذهب السلطة اللبنانية؟ وإلى أين تذهب العلاقة بين المقاومة والسلطة؟

*ثانياً: الحرب اللبنانية ليست مجرد معركة على السلاح*

نربط هذه التطورات بالسياق الأوسع للحرب، ونرى أن الصراع لا يتعلق بالسلاح وحده، بل بمستقبل الطائفة الشيعية اللبنانية وبيئتها الاجتماعية وموقعها داخل الدولة اللبنانية.

فالحرب، في هذه القراءة، تعيد توزيع الحسابات وتكشف الوقائع التي كانت محجوبة في زمن الاستقرار النسبي.

ولهذا فإن كل يوم في الحرب يمكن أن يحمل تحولات توازي سنوات من العمل السياسي التقليدي.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى ضبط النفس. فالمعركة، وفق المنطق ، ليست معركة انفعالات وإنما معركة حسابات وموازين قوى. وما يُطلب من القاعدة الشعبية هو عدم تحويل الغضب إلى فعل سياسي أو أمني يخدم خصومها، بل الحفاظ على التماسك وانتظار اللحظة التي تصبح فيها المبادرة ذات جدوى.

ونضع  هذه المسألة أيضاً في مواجهة الرهانات الإسرائيلية والأميركية على الداخل اللبناني، خصوصاً في ظل الضغوط الرامية إلى فرض ترتيبات جديدة تحت عناوين نزع السلاح أو التحقق أو التفتيش أو استبدال أدوار القوات الدولية بجهات أخرى.

وفي هذا السياق نحذر من فخ ما يسمى قوات أجنبية هدفها احتلال لبنان وتمهيد الأرض لوجود إسرائيلي طويل وتجريد الجيش من مسؤولياته ما يعني أن لبنان تحول ساحة اختبار لمشاريع خارجية، و مستقبل وحدته الوطنية أصبح مرتبطاً بحسابات الانتخابات الإسرائيلية وبقاء بنيامين نتنياهو في السلطة.

فلبنان، وفق هذا المنظور، لا ينبغي أن يكون رهينة لأزمة سياسية داخل إسرائيل أو لحسابات رئيس حكومة يسعى إلى استخدام الحرب والطوارئ لتأمين مستقبله السياسي.

*ثالثاً: تلة علي الطاهر: عقدة نتنياهو الانتخابية ومقتلة الهجوم الإسرائيلي*

في القراءة ، تحولت تلة علي الطاهر إلى عقدة عسكرية وسياسية وانتخابية في آن واحد. فالتلة، التي ترتفع نحو 600 متر وتشرف على النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان ومحيط الليطاني، تمتلك قيمة ميدانية تجعل السيطرة عليها ذات دلالة تتجاوز مساحتها الجغرافية.

ومن هنا نربط الإصرار الإسرائيلي على إسقاطها مباشرة بحسابات بنيامين نتنياهو. فالرجل، في تقديرنا يحتاج إلى إنجاز لبناني قابل للتسويق أمام الإسرائيليين قبل الانتخابات؛ إنجاز يقول من خلاله إنه لم يخرج من الحرب من دون مكاسب، وإن الجيش الإسرائيلي استطاع أن يفرض سيطرته على موقع استراتيجي في الجنوب يجري النظر إليها كإنجاز انتخابي محتمل لنتنياهو، في وقت تقترب فيه انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

ولهذا، وفق رؤيتنا تصبح علي الطاهر شرطاً من شروط الصورة التي يريد نتنياهو أن يدخل بها إلى الانتخابات: لا يكفيه وقف إطلاق النار، ولا يكفيه القصف، ولا يكفيه الادعاء بتدمير قدرات المقاومة؛ المطلوب صورة ميدانية واضحة: تلة سقطت، وراية إسرائيلية فوقها، وإنجاز يمكن تقديمه للجمهور الإسرائيلي بوصفه ثمرة للحرب.

لكن المفارقة أن التلة التي يريد نتنياهو تحويلها إلى انتصار انتخابي تتحول إلى اختبار عسكري لقوة الجيش الإسرائيلي. فمحاولات التقدم نحوها والتي ترافقت مع قصف كثيف ومحاولات توغل وعمليات تجريف ونسف في محيطها، أسقطتها مقاومة أسطورية و تصدٍّ لكل محاولات الاقتحام أبداها رجال السلاح في الجنوب. وتفيد تقارير إسرائيلية بأن التصعيد الإسرائيلي حول التلة رغم أنه أصبح متواصلاً ومركزاً، إلا أن التلة تبدو عقدة ميدانية أمام الجيش الإسرائيلي.

وهنا تكمن النقطة الأساسية في طرحنا : إذا كانت علي الطاهر هي بوابة نتنياهو إلى صورة النصر، فإن فشله في إسقاطها يحولها من ورقة انتخابية إسرائيلية إلى ورقة استنزاف وإحراج. فكل يوم تصمد فيه التلة، وكل محاولة إسرائيلية لا تحقق هدفها، يزداد الفرق بين الصورة التي يريد نتنياهو إنتاجها وبين الواقع الذي يفرضه الميدان.

ولهذا نصف علي الطاهر بأنها عقدة الحرب ومقتلة المعتدي؛ ولهذا، فيقراءتنا، فإن ما يجري حول علي الطاهر يستحق المراقبة أكثر من التصريحات السياسية كلها. فالميدان هو الذي سيحسم ما إذا كان نتنياهو سيتمكن من تحويل التلة إلى “إنجاز انتخابي”، أم أن التلة ستبقى شاهداً على حدود القوة الإسرائيلية وعلى قدرة المقاومة على الصمود وإفشال الهدف رغم كثافة النار ومحاولات الاقتحام. وفي هذه الحالة، تصبح علي الطاهر بالفعل عقدة الحرب ومقتلة المعتدي، لا منصة انتصار نتنياهو.

*رابعاً: ترامب من الهجوم إلى الدفاع*

المحور الثاني في قراءتنا يتعلق بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتحديداً بالتحول الذي يراه في لغة الخطاب الأميركي بعد الحرب.

فترامب، الذي اعتاد استخدام لغة شديدة الهجومية، تقوم على التهديد بالتدمير والضرب والعقوبات والسيطرة وفرض الرسوم، بدأ ، ينتقل إلى خطاب أكثر دفاعية.

وهذا التحول في اللغة أهم من كثير من التصريحات المنفردة، لأنه يعكس، في تقديره، إدراكاً أميركياً لنتائج الحرب وللحدود الفعلية لاستخدام القوة العسكرية.

فاللغة التي كانت تقول: سأدمر، سأضرب، سأفرض، سأسيطر، بدأت تتحول إلى لغة من نوع: إذا فعلت إيران، وإذا ضربت إيران، وإذا هددت إيران.

وبالنسبة لنا ، فإن الانتقال من المبادرة الهجومية إلى صيغة رد الفعل يبدو مؤشراً على أن نتائج الحرب فرضت نفسها على الحسابات الأميركية.

ومن هنا يأتي حديث ترامب عن مضيق هرمز.

فالإعلان الترمبي عن التعامل مع المضيق باعتباره مجالاً ذا صلة مباشرة بالأمن والمصلحة الأميركية وأنه أرض أمريكية، لا يستطيع، وفق قراءتنا، أن يغير الواقع الميداني بمجرد خطاب أو تغريدة.

فالسيطرة على المضائق لا تُنتزع بالتصريحات، بل بالوجود والقدرة والتمركز والقوة التي تستطيع فرض الإرادة على الأرض وفي البحر.

وهنا نطرح السؤال: لماذا يعلن ترامب ذلك إذا كان الواقع الميداني لا يتغير بمجرد الإعلان؟

والإجابة التي يقدمها تنطلق من طبيعة ترامب نفسه؛ فهو كثيراً ما يستخدم سقوفاً خطابية مرتفعة في السياسة الدولية، سواء تجاه كندا أو فنزويلا أو غيرهما، حتى عندما لا تتحول تلك التصريحات إلى وقائع عملية.

لكن الأهم من التصريح نفسه، في رأينا ، هو ما يكشفه خطاب ترامب عن طبيعة المأزق الاستراتيجي الذي يبدو أن ترامب بات عاجزا تماما على الخروج منه.

*خامساً: من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية*

النقطة الأكثر أهمية في التحول الأميركي، هي أن ترامب بدأ يتحدث إلى المواطن الأميركي بلغة مختلفة.

فبدلاً من تقديم الحرب بوصفها عملية عسكرية يمكن حسمها بالقوة، بدأ يهيئ الأميركيين لقبول واقع ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، ويشرح لهم أن الإجراءات المتخذة تهدف إلى حماية الولايات المتحدة من مخاطر مرتبطة بإيران.

بمعنى آخر، انتقل الخطاب من “سنحسم الحرب” إلى “عليكم أن تتحملوا كلفة الحرب”.

وهذه، بالنسبة لنا ، إشارة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية.

فالحرب التي لا تستطيع الولايات المتحدة إنهاءها عسكرياً ستحاول تحويلها إلى حرب اقتصادية: ضغط على الطاقة، عقوبات، حصار، إعادة ترتيب أسواق النفط، توسيع السيطرة الأميركية على مصادر الطاقة، ومحاولة تعويض الاختلالات التي أحدثتها الحرب في منظومة التجارة والنقل العالمية.

ومن هنا نطرح  السؤال المركزي: لمن يعمل الزمن؟

هل يعمل لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، أم لمصلحة إيران ومحورها، أم لمصلحة القوى التي تستثمر في إعادة بناء منظوماتها بعيداً عن الهيمنة الأميركية؟

الزمن في الحروب ليس محايداً  فالدولة التي تستثمر في الوقت، وتعيد تنظيم قدراتها، وتبني طرقاً بديلة، وتطور التكنولوجيا، وتكيف اقتصادها، يمكنها تحويل الخسارة التكتيكية إلى مكسب استراتيجي ويمكنها تحويل المكسب المرحلي إلى نصر استراتيجي ثابت.

*سادساً: مضيق هرمز وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي*

وفي هذا السياق نرى أن إنجاز تحرير هرمز تلك الخطوة النوعية التي فاجأت أمريكا وإسرائيل والعالم كله واستطاعت أن تضع إيران في موقع من يقبض على أنفاس الاقتصاد العالمي ويهدد بأزمات قد تؤدي إلى انفجار الغرب من الداخل نتيجة الضغط الاقتصادي، هذه الورقة  ومع مرور الوقت بدأت كأي إنجاز تفقد قوتها تدريجيًا.

فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت الحاجة إلى طرق بديلة، وخطوط نقل جديدة، وممرات برية وسككية، ومصادر طاقة متعددة.

وهذا يدفع دولاً وقوى اقتصادية إلى التكيف مع الواقع الجديد بدلاً من انتظار عودة العالم إلى ما كان عليه قبل الحرب.

ومن هذه الزاوية، فإن إغلاق أو تهديد أي مضيق استراتيجي قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة بالنسبة لإيران أن يفقد المضيق تدريجياً جزءاً من قيمته الاستراتيجية إذا نجحت القوى الاقتصادية في بناء بدائل له.

فالإنجاز العسكري الذي لا يُستثمر في بناء وضع استراتيجي جديد يمكن أن يتحول مع الوقت إلى عقبة  يمكن تجاوزها.

وهذه قاعدة نكررها   في الحرب، لا يكفي أن تحقق إنجازاً؛ يجب أن تستثمره وتراكم عليه.

فإذا توقف المحارب عند إنجازه الأول، فإن خصمه سيعيد تنظيم صفوفه، ويغير تكتيكاته، ويبني وسائل للتعامل معه، وبالتالي تتراجع قيمة الإنجاز الذي كان حاسماً في لحظته الأولى.

*سابعاً: كذبة تهديد إيران لسلطة الشرع*

أما الملف الثالث، والأكثر إثارة للجدل، فهو الرواية المتداولة عن أن إيران وجهت تهديداً إلى أحمد الشرع، يتضمن استهداف مواقع في سوريا، وربما القصر الجمهوري، في حال تدخل السلطة السورية في لبنان.

نرفض هذه الرواية بصورة قاطعة، نصفها بأنها فبركة إعلامية لا تستند إلى واقعة موثوقة.

ونستند في ذلك إلى غياب المصدر الإيراني الرسمي الذي أعلن مثل هذا التهديد، وإلى عدم وجود بيان واضح صادر عن مؤسسة إيرانية مسؤولة يمكن الاستناد إليه.

ونشير إلى أن الرواية بدأت تنتشر عبر وسائل التواصل والمواقع والحسابات، ثم أخذت بعض وسائل الإعلام تنقلها عن بعضها البعض، إلى أن بدأت عملية تدوير الخبر تمنحه، في نظر الجمهور، مظهراً زائفاً من الموثوقية.

وهنا نلفت إلى مشكلة إعلامية أساسية: تكرار الخبر لا يحوله إلى حقيقة.

فالخبر الذي ينشره حساب مجهول ثم تنقله عشرات الصفحات لا يصبح موثقاً لمجرد أن عدد ناقليه ارتفع.

لا نكتفي بالتشكيك في مصدر الخبر، وإنما نختبره بمنطق المصالح و نضعه أمام غربال المنطق السياسي: لماذا تفعل إيران ذلك أصلاً؟ لماذا قد تريد إيران، في هذه اللحظة تحديداً، فتح مواجهة مباشرة مع السلطة السورية أو تهديدها بقصف واسع؟

إذا كانت طهران تسعى إلى بناء نفوذ طويل المدى وإدارة مجموعة من الجبهات المعقدة، فإن فتح جبهة إضافية مع سوريا من دون ضرورة استراتيجية واضحة لا يبدو منسجماً مع هذا النهج بل ونصفه بأنه “حماقة” لن ترتكبها إيران.

بل إن مثل هذا التصرف قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: دفع سوريا نحو مزيد من الارتهان للقوى الإقليمية والدولية المناوئة لإيران، وإعطاء مبرر لتدخلات إضافية، وتحويل الصراع إلى مواجهة مباشرة غير ضرورية، هنا تنهار الرواية من أساسها.

فإيران، التي خاضت حرباً إقليمية واسعة، تعرف أن فتح جبهة مباشرة مع دمشق ليس قراراً بسيطاً، وأن استعداء السلطة السورية ليس عملاً بلا كلفة. وإذا كان الهدف هو منع تدخل سوري في لبنان، فهناك عشرات الوسائل السياسية والأمنية والدبلوماسية الأقل كلفة والأكثر فعالية من إعلان حرب على سوريا.
خاصة أن مواقف الشرع المعلنة والمواقف المنقولة عن السلطة المؤقتة السورية تقدم تفسيراً سياسياً أكثر بساطة لعدم الانخراط المباشر في الحرب اللبنانية.
فقد ظهرت تصريحات ومواقف تفيد بأن دمشق لا تريد الدخول في لبنان نيابة عن أحد، وأنها تتعامل مع الملف من خلال الحسابات السياسية الخاصة بها، بينما كانت هناك اتصالات ووساطات إقليمية، بما فيها الدور التركي، لتجنب توسع الصراع.

والأهم  أن إيران ليست بحاجة إلى هذا النوع من الفشخرة الإعلامية كي تقول ما تريد. إذا قررت طهران أن توجه رسالة استراتيجية، فهي تستطيع إيصالها عبر قنوات سياسية وأمنية معروفة، أول هذه القنوات هو القناة الدبلوماسية المباشرة عبر وزارة الخارجية الإيرانية وسفاراتها واتصالات وزير الخارجية والمسؤولين الإيرانيين بنظرائهم في الدول المعنية. وثانيها القنوات الأمنية والاستخبارية، وهي بطبيعتها أقل ظهوراً في الإعلام وأكثر ملاءمة للرسائل الحساسة. إن رسالة واحدة إلى قطر أو السعودية أو الإمارات أوعُمان أو العراق أو تركيا تعلن فيها إيران أن أي تدخل للشرع في لبنان سيعني أنكم ستدفعون فاتورة هذا التصعيد كافي لإنهاء مجرد التفكير في هذه الخطوة.

عندما تريد دولة أن تبلغ خصماً أو طرفاً إقليمياً رسالة من نوع «لا تفعلوا كذا» أو «إذا حدث كذا فسيكون ردنا كذا»، فإن الرسالة لا تحتاج بالضرورة إلى بيان صحفي. يمكن أن تمر عبر مسؤول أمني، أو جهاز استخباري، أو شخصية سياسية موثوقة، أو قناة اتصال غير معلنة. وهذه هي طبيعة الدبلوماسية في أوقات الأزمات: كلما كانت الرسالة أكثر حساسية، كان احتمال إرسالها عبر قناة هادئة وسرية أكبر، لا عبر الإعلام.

*ثامناً: إدعاء هدفه تبرير عجز الحشد الشعبي*
والأخطر أن الرواية، ، تؤدي وظيفة سياسية واضحة تتعلق بالحشد الشعبي وهي تحويل عدم الفعل إلى قصة ردع، وتحويل العجز إلى “قرار استراتيجي”.
فتكرار السؤال منذ بداية الحرب أين الحشد الشعبي؟ لماذا لم تدخل القوى العراقية؟ أين الجبهات التي قيل إنها ستتوحد؟ لماذا لم يتحول الكلام عن وحدة الجبهات إلى فعل ميداني في العراق؟ يأتي الجواب الجاهز: «إيران هددت الشرع، ولذلك لم يدخل».

وهنا نضع  الإصبع على الجرح: لا تُغطّوا العجز بفبركة.

إذا كان عدم التدخل قراراً سياسياً، قولوا إنه قرار سياسي. وإذا كانت هناك حسابات ميدانية تمنع التدخل، اشرحوا الحسابات. وإذا لم تكن الظروف تسمح بفتح جبهة جديدة، فليُقال ذلك بصراحة. أما أن يُصنع تهديد إيراني غير موثق ثم يُقدّم للجمهور باعتباره السبب، فهذه ليست استراتيجية؛ إنها محاولة لتجميل غياب الفعل.

والأشد قسوة أن هذا النوع من الروايات يسيء حتى إلى القوة التي يريد مروّجوها الدفاع عنها. لأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى أعذار مختلقة.
من يملك القدرة على الفعل يستطيع أن يقول: لم نفعل لأننا اخترنا عدم الفعل. أما من يحتاج إلى اختراع تهديد مجهول المصدر كي يبرر لماذا لم يفعل، فقد انتقل من إدارة المعركة إلى إدارة الرواية.
ولهذا فإن عبارة «فبركة »  هي توصيف لطريقة إنتاج الخبر: رواية بلا أصل، ثم تداول بلا تحقق، ثم تكرار يحاول أن يصنع من الكذبة حقيقة تصنع وعياً زائفاً بميزان القوى، وتوهم الجمهور بأن كل تراجع هو مناورة، وكل غياب هو حكمة، وكل عجز هو ردع.

بل نعمد الى قلب هذه المعادلة بالكامل بسؤال حاد لماذا يدخل الحشد إلى سوريا بينما القواعد الأمريكية والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة الخضراء معلن وواضح؟ بدل أن يتجه الحشد لتهديد الجوار فالأصل أن ينهي الوجود الأمريكي ويحرر العراق!
لهذا تأتي الخاتمة  شديدة القسوة: لقد أصبح زمن الحرب زمناً كاشفاً، ولم يعد يحتمل الاستعراضات والعنتريات.
لا يكفي أن نقول إن لدينا رجالاً، لا يكفي أن نقول إن لدينا سلاحاً، لا يكفي أن نقول إن الجبهات موحدة،لا يكفي أن نقول إننا قادرون.
نريد أن القدرة في الميدان حيث قواعد العدو على بعد أمتار من وجود المقاومة العراقية.

🖊ميخائيل عوض 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى