كتاب وشعراء

أبحث عنكِ قبل الرحيل.. بقلم الأديب الكبير: حامد الضبياني

يا أنتِ، يا امرأةً كلما حاولتُ أن أصفها، اتسعت المسافة بيني وبين اللغة، وكلما قلتُ: هذه هي صورتها، خرجت من الصورة إلى الغياب، وتركتني واقفاً أمام مرآةٍ لا تعكس وجهي، بل تعكس وطناً بعيداً، وبيتاً لم أدخله، وتراباً أعرف رائحته أكثر مما أعرف ملامح الأشياء التي حولي.
أكتب إليكِ من الغربة، والغربة ليست أن تنام بعيداً عن بلدك، ولا أن تستيقظ فلا تسمع لهجة أمك، ولا أن تمرّ بجانب شارعٍ لا يعرف اسمك؛ الغربة أن تحمل العراق في صدرك، ثم تعجز عن الوصول إليه. أن يكون لك وطنٌ يسكنك، ولا تستطيع أن تسكنه. أن تضع يدك على قلبك فتجد بغداد، وتضع يدك على النافذة فتجد بلاداً لا تعرفها، وتقول في سرك: أيهما أنا؟ ذلك الرجل الذي يمشي هنا، أم ذلك الذي ترك قلبه هناك؟
أنا فقير، نعم، لكن فقري لم يستطع أن يهزم شموعي. أخذت مني الغربة أشياء كثيرة، أخذت البيت، والدفء، والوجه الذي كنت أبحث عنه، وأخذت من يدي أعواماً كان ينبغي أن أعيشها قرب من أحب، لكنها لم تستطع أن تأخذ مني القدرة على الحلم. ولذلك بقيت أفتش عنكِ.
ربما لم تكوني امرأةً قط.
ربما كنتِ وطناً أخذ هيئة امرأة.
وربما كنتِ امرأةً لم يسمح لي العمر أن ألتقيها، فصنعها خيالي كي لا أموت ناقصاً.
لهذا كلما اشتقت إليكِ، لم أبحث عنكِ في الطرقات، بل بحثت عنكِ في الأشياء التي لا تكذب: في المطر، في رائحة التراب بعد أول قطرة، في نافذةٍ مضاءة آخر الليل، في عطر امرأةٍ تعبر بعيداً ولا تعرف أنها أعادت إلى قلبي جرحاً قديماً، وفي شجرةٍ وحيدةٍ تقف أمام الريح وكأنها تعرف معنى أن يبقى الإنسان واقفاً بعد أن يسقط كل شيء.
يا حبيبتي البعيدة، هل تعرفين ماذا يفعل العاشق حين لا يجد حبيبته؟
يصنعها من الضوء.
ثم يخاف أن يلمسها كي لا تنكسر.
يصنع لها صوتاً من حفيف الأشجار، وعينين من نجمتين، وشعراً من ليلٍ طويل، ويدين من دفء الذاكرة، ثم يجلس أمامها حتى الفجر، ويكلمها كما لو أنها تجيبه.
وأنا فعلت ذلك.
كنتِ تأتي إليّ كل ليلة دون أن أعرف من أي باب تدخلين.
كنتِ تجلسين قرب نافذتي، فأحكي لكِ عن العراق، عن التراب الذي اشتقت إليه حتى صار التراب في بلاد الغربة غريباً عن قدمي، وعن البيوت التي تركتها ولم تعرف أنها كانت أجمل قصوري، وعن أمهاتٍ ينتظرن أبناءهن، وعن رجالٍ كبروا قبل أن يعودوا، وعن وطنٍ كلما ابتعدت عنه ازداد حضوره في دمي.
كنتِ تسمعينني دون أن تقاطعي.
وعندما أسكت، كنتِ تضعين يدكِ على قلبي.
فأبكي.
لا لأنني ضعيف، بل لأن القلب حين يعجز عن الكلام، تتحول دموعه إلى لغة.
ذات ليلة، سألت النجوم عنكِ.
قلت لها: هل مرّت من هنا امرأةٌ تشبه الحلم؟
فضحكت نجمةٌ بعيدة، وقالت: كل النساء يمررن، لكن بعضهن يتركن في السماء مكاناً لا يملؤه أحد.
قلت لها: صفِيها لي.
فبدأت النجوم تتحدث.
قالت إحداها: عيناها ليستا عينين، إنهما نافذتان يطل منهما الليل على نفسه.
وقالت أخرى: في ابتسامتها شيء من الفجر، وفي حزنها شيء من آخر أغنيةٍ يغنيها المسافر قبل أن يغلق باب الرحيل.
وقالت ثالثة: لا تبحث عنها في وجه امرأة، ابحث عنها في اللحظة التي يتوقف فيها قلبك عن الخوف.
مددت يدي إلى السماء.
فسقط الضوء في كفي.
لم يكن نجماً.
كان قبلةً منكِ.
وضممت يدي إلى صدري كأنني أمسك وجهكِ.
ومنذ تلك اللحظة، صرت أخاف من فتح يدي، لأنني أعرف أن الضوء سيهرب، وأنكِ ستعودين إلى المكان الذي لم تكوني فيه أصلاً.
حتى القمر، يا حبيبتي، لم يعد محايداً.
كلما رآني وحيداً، خفض وجهه عن السماء، وكأنه يخجل من اكتماله وأنا ناقص.
وفي ليلةٍ طويلة، رأيته يعتذر.
قال: سامحني، لا أستطيع أن أوصلك إليها.
قلت له: ولماذا؟
قال: لأنها ليست في السماء.
قلت: أين هي؟
فصمت.
عرفت أن بعض الأسئلة لا تجيب عنها الكواكب، لأن الإجابة تسكن في قلب من ينتظر.
أما الشمس، فكانت أكثر رحمة.
كانت كل صباح تغطي جسد حالمٍ بضوئها، كأنها تقول له: انهض، فما زال في العمر مكانٌ لامرأةٍ قد تأتي.
لكنني كنت أعرف أن الشمس لا تعرف الحقيقة.
الحقيقة أن العمر لا ينتظر أحداً.
وأن أجمل ما في الانتظار أنه يمنحنا وهماً صغيراً بأن الغد سيصل في الوقت المناسب.
وأنا أخاف من الغد.
أخاف أن تأتي بعد أن ينتهي كل شيء.
أخاف أن أصل إليكِ في اللحظة التي لا أستطيع فيها أن أقول لكِ: اشتقت إليكِ.
أخاف أن تبحثي عني، فتجدي اسمي على حجر.
أخاف أن يقال لكِ: كان هنا رجلٌ يحبكِ، لكنه انتظر طويلاً.
وأشد ما يخيفني أن أكون قد قطعت كل هذه المسافة لأكتشف أن الموعد كان قبل العمر، لا بعده.
يا امرأةً لم أجدها إلا في خيالي، هل يمكن للإنسان أن يحب شخصاً لم يلمسه؟
نعم.
أنا أحببتكِ دون أن ألمس يدكِ.
حضنتكِ دون أن أجد كتفكِ.
قبلت جبينكِ دون أن أعرف إن كان جبينكِ يشبه ما تخيلت.
بكيت أمامكِ دون أن تكوني هناك.
وهذا هو أقسى أنواع الحب: أن يكون القلب ممتلئاً بامرأةٍ لا يستطيع العالم إثبات وجودها.
كنتِ أحياناً أقرب إليّ من نبضي، وأحياناً أبعد من آخر نجمةٍ في الكون.
وحين أشتاق إلى حضنكِ، لا أبحث عن جسدٍ يضمني، بل أبحث عن وطنٍ يقول لي: لا تخف، لقد وصلت.
ربما لهذا أحببتكِ بهذا العمق.
لأنني لم أبحث فيكِ عن امرأة فقط.
بحثت عن حضنٍ يشبه التراب.
عن كتفٍ أضع عليه تعب السنوات.
عن صدرٍ أستطيع أن أقول له دون خجل: تعبت.
تعبت من الرحيل.
تعبت من الانتظار.
تعبت من أن أبدو قوياً أمام العالم بينما في داخلي طفلٌ يريد أن يعود إلى البيت.
أريد أن أضع رأسي على كتفكِ مرةً واحدة، ثم لا أسأل الزمن عن شيء.
لا أريد مالاً.
ولا قصوراً.
ولا مجداً.
كل ما أريده أن أعرف كيف يكون للإنسان مكانٌ لا يخاف فيه من الغد.
لقد علّمتني الغربة أن العوز ليس أن تكون بلا مال، بل أن تكون بلا يدٍ تمسك يدك عندما ترتجف.
وأن الفقر الحقيقي ليس أن تجوع، بل أن تشتاق إلى شخصٍ ولا تجد الطريق إليه.
وأن أغنى الناس هو من يجد في آخر يومه حضناً يقول له: كنتُ أنتظرك.
أما أنا، فقد عشت طويلاً وأنا أفتش عن ذلك الحضن.
حتى صار البحث نفسه وطناً.
يا حبيبتي، لو كنتِ الآن أمامي، لما قلت شيئاً.
كنت سأقترب منكِ ببطء، كما يقترب المسافر من أرضٍ يخشى أن تكون حلماً، ثم أضع يدي على وجهكِ، وأتأكد أنكِ لستِ خيالاً آخر صنعه الليل.
كنت سأقول لكِ:
هل أنتِ حقاً هنا؟
فإذا ابتسمتِ، سأبكي.
وإذا قلتِ: نعم، سأبكي أكثر.
وإذا فتحتِ ذراعيكِ، فسأسقط فيهما كما يسقط المطر على أرضٍ عطشى.
سأعانقكِ طويلاً.
طويلاً إلى الحد الذي تتعب فيه الساعة من العد.
وسأضع أذني على صدركِ لأسمع وطنًا لم أره.
ثم سأقول لكِ: لا تتركيني الآن.
دعيني أكمل ما تبقى من عمري هنا.
دعيني أنسى الطريق.
دعيني أصدق أن العمر لم يكن عدواً لي، وأن كل هذه السنوات كانت مجرد طريقٍ طويلٍ نحو حضنكِ.
لكن ماذا لو لم تأتِ؟
ماذا لو ظللتِ امرأةً في الخيال؟
ماذا لو كان اللقاء مؤجلاً إلى مكانٍ لا يصل إليه البريد، ولا الطائرات، ولا الدعاء؟
ماذا لو كنتُ أكتب إليكِ الآن، وأنتِ لا تعرفين أن رجلاً في آخر العالم جعل منكِ سبباً للبقاء؟
عندها سأواصل الكتابة.
سأكتب لكِ حتى تجف الأقلام.
وحتى تتعب النجوم من مراقبتي.
وحتى يشيخ القمر.
وحتى تنطفئ الشمس ذات مساء.
سأكتب لأن الرسالة الأخيرة ليست للمرسل إليه دائماً.
أحياناً نكتب كي لا يضيع الجزء الأخير منا.
يا حبيبتي، أنا لا أعرف متى يأتي الرحيل الأخير.
لكنني أعرف أنني لا أريده أن يأتي قبل أن أراكِ.
أريد أن أصل إليكِ أولاً.
ولو لم أستطع، فليكن لي من العمر ما يكفي لأن أحملكِ في قلبي إلى التراب.
وعندما يحملونني على الأكتاف، لا تسألي أين ذهب الرجل الذي كان ينتظركِ.
سيكون قد تعب أخيراً.
سيكون مستلقياً في صندوقٍ صغير، وقد ترك خلفه كل شيء إلا صورتكِ.
وإذا مرّت جنازتي قرب تراب العراق، فربما يفتح التراب عينيه قليلاً.
ربما يشم رائحة الغربة في ثيابي.
ربما يقول لي: عدتَ أخيراً.
سأقول له: عدتُ، لكنني لم أجدها.
فيقول: ومن كانت؟
فأضع يدي على قلبي وأقول:
امرأةٌ أحببتها أكثر مما ينبغي.
امرأةٌ لم أعرفها إلا في خيالي.
امرأةٌ كانت كلما ابتعدتُ عنها، اقتربتُ من نفسي.
امرأةٌ لم تكن حبيبتي وحدها.
كانت العراق.
وكانت أمي.
وكانت طفولتي.
وكانت كل يدٍ تمنيت أن تمسك يدي ولم تفعل.
وكانت الحضن الذي تأخر حتى صار حلماً.
وكانت آخر نافذةٍ بقيت مضاءة في بيتٍ هدمه الزمن.
وحينها، ربما يرحمني التراب.
فيضمّني كما تمنيت أن تضمّني ذراعاكِ.
وحين يسألني الموت: هل انتهى انتظارك؟
سأقول له:
لا.
العاشق لا ينتهي عندما يموت.
العاشق ينتهي عندما يتوقف قلبه عن انتظار من أحب.
وقلبي، يا حبيبتي، سيظل واقفاً عند بابكِ حتى بعد أن يحملوا جسدي إلى مثواي.
فإن جئتِ يوماً متأخرة، فلا تبحثي عني في المدن.
تعالي إلى التراب.
اجلسي قرب قبري.
وقولي بصوتٍ خافت:
يا حامد، جئت.
وعندها، إن كان في الموت بقيةٌ من سمع، سأفتح نافذةً صغيرة في ظلامي.
وإن كان للحب سلطانٌ على القبور، سأمد يدي من تحت التراب.
فلا تتركيها معلقة.
ضعي يدكِ في يدي.
ثم قولي لي:
لقد وصلت.
وسأبتسم للمرة الأولى دون خوف.
لأنني سأعرف أن كل الغربة كانت تستحق تلك اللحظة.
وأن كل العوز كان مجرد طريقٍ إلى ذلك الحضن.
وأن كل الدموع التي خبأتها عن العالم لم تذهب سدى.
وأن امرأةً لم أجدها في الأرض، استطاعت أخيراً أن تجدني تحت التراب.
هناك، حيث لا وطنٌ بعيد.
ولا مطار.
ولا حقائب.
ولا انتظار.
هناك فقط أنا وأنتِ.
وعناقٌ تأخر عمراً كاملاً.
وعندها فقط…
سيتوقف القمر عن الاعتذار.
وتكف الشمس عن البكاء.
وتصمت النجوم.
ويعرف الكون أخيراً لماذا ظل رجلٌ غريبٌ عن وطنه، عاشقاً لامرأةٍ لم يرها، ينتظرها حتى غادر العمر.

بقلم: حامد الضبياني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى