كتاب وشعراء

عندما تخون الخرائط: حرب الظلال التي نعيشها ولا نراها… بقلم محمود سيد محمد

صفّحت في التلفاز الليلة الماضية، كعادتي، بين قناة وأخرى. كل المحللين يتحدثون عن الضربات، عن الرد، عن التصعيد. لكن شيئاً ما في المشهد كان يضايقني، كأنني أشاهد فيلماً سبق أن رأيته، أو كأن هناك خيطاً خفياً يربط كل هذه الأحداث، خيط لا يراه المذيعون ولا حتى الخبراء الذين يستضيفونهم.

الصراع الذي نتابعه، بصراحة، لم يعد يشبه أي حرب قرأنا عنها في الكتب. ليس لأنه أكثر دموية، أو أكثر تعقيداً، بل لأنه يحدث في مكان مختلف تماماً: في الرؤوس، قبل أن يحدث على الأرض.

دعني أوضح لك ما أعنيه.

في الحروب القديمة، كانت الأمور واضحة كالشمس. جبهتان، مسافات تقاس بالكيلومترات، وجنود يزحفون. النصر كان له طعم مادي: راية ترفع هنا، مدينة تسقط هناك، عدد من الأسرى يُحصى. أما اليوم، فالمسافات لم تعد جغرافية. إنها مسافات نفسية، اقتصادية، استخباراتية. لا يمكن قياسها بالخرائط، بل بمدى قدرتك على زرع الشك في عقل خصمك، على جعله يتشكك في قراراته، في مستشاريه، في استخباراته، وحتى في مرآته.

تلك الصواريخ التي تسقط، تلك التي نراها في لقطات الفيديو التي تنتشر كالنار في الهشيم، ليست مجرد حديد ونار. إنها رسائل. كل صاروخ يحمل في طياته جملة: “نحن نعرف أين تنام. نعرف كيف تفكر. نعرف متى تخاف”. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين هذه الحرب وحروب الأمس.

أتعلم ما هو أغرب ما في الأمر؟ أن كل ضربة، في حد ذاتها، ليست هي الهدف. إنها مجرد أداة تواصل. وسيلة لإيصال رسائل لا تُكتب في البيانات الرسمية، ولا تُعلن في المؤتمرات الصحفية، ولا تُناقش حتى في الغرف المغلقة. إنها رسائل صامتة، مفهومة من الطرفين، وغامضة على الجميع.

لاحظ كيف تتوزع الضربات على الخريطة. في البداية قد تراها عشوائية، لكن إذا أمعنت النظر، سترى هندسة دقيقة، شبه رياضية.

قاعدة عسكرية هنا، ليس بالضرورة لتدميرها، بل لإرباك القيادة، لجعل الجنود والقادة يستيقظون كل صباح وهم يتساءلون: “هل سنكون الهدف التالي؟”. ميناء هناك، لرفع أقساط التأمين على السفن، ولجعل شركات الشحن تفكر مرتين قبل الإبحار. ومضيق بحري في الأفق، ليس لإغلاقه، بل لإشاعة الرعب في قلوب المستثمرين، ولجعل سعر النفط يقفز قليلاً، ولجعل الأسواق العالمية تعيش على أعصابها.

المعركة، إذاً، لم تعد تُدار على مسرح واحد. إنها شبكة عنكبوتية من الأعصاب الممتدة: عسكرية، اقتصادية، نفسية. تضرب هنا لتُحدث اهتزازاً هناك. وكأن الجميع يلعب على لوحة شطرنج ثلاثية الأبعاد، بينما نحن، المشاهدون، ننظر إلى اللوحة المسطحة ولا نرى إلا الظلال.

وهنا، أتوقف قليلاً لأقول شيئاً قد يبدو خارج السياق، لكنه مهم: في الأسبوع الماضي، كنت أتابع تقريراً عن ارتفاع تكاليف التأمين البحري في المنطقة. رقم جاف، ربما، لكن خلفه قصص حقيقية: بحارة يخافون، شركات تخسر، عائلات تقلق. هذه هي التفاصيل التي تغيب عن التحليلات الكبرى، لكنها تشكل النسيج الحقيقي لهذه الحرب.

الآن، دعنا نتحدث عن الجانب الأعمق، الجانب الذي يقلقني حقاً. الجانب النفسي.

في هذا الصراع، لم يعد أحد يبحث عن “النصر” بالمعنى التقليدي. الهدف الأعمق، والأكثر تعقيداً، هو إجبار الطرف الآخر على الشك في نفسه. نعم، الشك. ذلك الشعور القاتل الذي يجعل القائد يتردد، والمستشار يحجم، والجندي يتساءل.

إيران، على سبيل المثال، تعرف جيداً أنها لا تستطيع هزيمة أمريكا عسكرياً. هذا ليس سراً. لكنها تستطيع أن تجعل صناع القرار في واشنطن يعيشون في حالة من التردد المزمن. كلما طال وقت التفكير في الرد على ضربة ما، كلما كان ذلك انتصاراً إيرانياً صامتاً. وفي المقابل، أمريكا لا تحتاج إلى تدمير إيران عسكرياً، يكفيها أن تحرمها من الشعور بأنها انتصرت. أن تبقيها في حالة قلق دائم، وأن تجعلها تدفع ثمناً باهظاً مقابل كل خطوة تخطوها، حتى لو كانت تلك الخطوة صغيرة أو رمزية.

إنها لعبة أعصاب، حقاً. من يستطيع أن يعيش في هذا الضغط المستمر دون أن يرتكب الخطأ الأول؟ من يملك أعصاباً أكثر صلابة؟

هنا، أتذكر مقولة قرأتها مرة لضابط متقاعد: “في الحروب الحديثة، أول من ينام جيداً هو الخاسر”. ربما كان مبالغاً، لكن هناك حقيقة في كلماته.

وهنا يأتي الخطأ القاتل الذي أراه يتكرر في كل تحليل تقريباً. معظم المراقبين يفسرون كل ضربة كحدث منعزل. يقرؤونها كرد فعل لحظي على ما سبقها. فيتحدثون عن “الرد على الرد” وكأننا في مباراة تنس.

هذا وهم، بصراحة.

ما يحدث ليس ردود فعل. إنه بناء تدريجي، ممنهج، طويل الأمد. كل ضربة هي كلمة في جملة، وكل رد هو حرف في نص يتشكل بصمت، دون ضجيج. وكأن هناك سيناريو مكتوباً مسبقاً، لكن لا أحد يملك النص كاملاً، كل طرف يقرأ فصله فقط.

الضربات ليست هي الهدف، هي مجرد لغة التواصل بين استراتيجيتين، لغة يفهمها المتنافسان ولا يفهمها الجمهور. وربما هذا هو ما يزعجني أكثر: أننا نتابع حروباً لا نفهم قواعدها، وكأننا نشاهد فيلماً بلغة أجنبية دون ترجمة.

ربما يكون التحول الأكثر جرأة في هذا الصراع، والأكثر تأثيراً على مستقبل العلاقات الدولية، هو إعادة تعريف مفهوم “الهيبة” نفسه.

في الماضي، كانت الهيبة تُبنى على القدرة على الضرب بقوة، على إظهار القوة، على استعراض العضلات العسكرية في المناورات والاستعراضات. أما اليوم، فالهيبة أصبحت تعني شيئاً مختلفاً تماماً: القدرة على أن تبقى غير متوقع. على أن تخفي نواياك. على أن تجعل خصمك يعيش في حالة من اللاأيقين الدائم.

كلما أصبح المشهد غير قابل للتنبؤ، كلما أصبح القرار أكثر صعوبة، وكلما ارتفعت احتمالية ارتكاب الخطأ. وهنا يكمن السلاح الجديد: اللاأيقين نفسه.

الطرف الذي يجيد زرع الشك في عقول خصومه، الذي يجعلهم يعيدون حساباتهم باستمرار، يكون قد حقق نصراً استراتيجياً قبل أن تبدأ أي معركة فعلية. وهذا، في رأيي المتواضع، هو أعظم تغيير طرأ على مفهوم القوة في عصرنا.

دعني أحاول أن ألخص ما وصلت إليه، وأنا أكتب هذه السطور في وقت متأخر من الليل، وربما لأني متعب، سأكون أكثر صراحة.

نحن أمام نموذج جديد من الصراع، يتسم بثلاثة أبعاد:

الأول، تكتيكي: ضربات دقيقة، متفرقة، تستهدف نقاطاً محددة، ليس لتدميرها بالكامل، بل لإرسال رسائل، ولإحداث اهتزازات في منظومة الخصم.

الثاني، استراتيجي: استنزاف بطيء للقرار، وليس للقوة فقط. إرهاق صناع القرار، وإجبارهم على التفكير في كل خطوة مرات عديدة، حتى يفقدوا القدرة على المبادرة.

الثالث، نفسي: زعزعة الثقة قبل كسر القدرات. جعل الخصم يشك في نفسه، في فريقه، في استخباراته، في حلفائه.

وفي هذا السياق، الطرف الذي سيفوز في النهاية، وأنا مقتنع بذلك، لن يكون من يملك القوة الأكبر أو التكنولوجيا الأحدث. سيكون من يستطيع تحمّل الضباب لفترة أطول، من يحافظ على توازنه النفسي رغم كل محاولات التشويش، من يمتلك قدرة استثنائية على قراءة ما لا يُقرأ، ورؤية ما لا يُرى.

أخيراً، لا أعتقد أن المشهد يتجه نحو انفجار سريع كما يتوقع البعض. لا، أظنه يتجه نحو اختناق بطيء، حرب لا تنتهي بانتصار مدوي، بل بتآكل تدريجي للقدرات والقرارات والثقة.

وفي هذا النوع من الحروب، أخطر لحظة ليست لحظة الضربة العسكرية التي تشغل عناوين الأخبار. أخطر لحظة هي تلك اللحظة الهادئة، التي قد لا يلاحظها أحد، حين يبدأ أحد الأطراف باتخاذ قراراته وهو غير متأكد من نفسه، وهو يدرك في أعماقه أن الخصم أصبح يعرف عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.

وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أملك إلا أن أتساءل: هل نحن، كمراقبين، نعرف ما يكفي لنفهم ما يجري؟ أم أننا، مثل الأطراف المتحاربة، نعيش أيضاً في ضبابنا الخاص؟

ربما هذا هو السؤال الأصعب.

الموسسة المصريه للدراسات السياسية والإستراتيجية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى