كتاب وشعراء

قراءة في نص: “انثري قبل أن تتناثري” للشاعر: د. عماد أبو السعود.. بقلم: إبراهيم علي الإدريسي

‏-بطاقة تعريفية

‏الشاعر: د. عماد أبو السعود

النص: «انثري… قبل أن تتناثري»

‏-نوع القراءة: قراءة ظاهراتية تعتمد المنهج التفكيكي، تليها قراءة فلسفية وجودية معمقة للنص.

-‏زاوية الرؤية: تتبّع تحوّل العلامات والرموز المألوفة تحت وطأة الحرب والاغتراب، والكشف عن انهيار الحدود بين الحياة والموت، والمقدّس والعنيف، والرحيل والبقاء.

‏بقلم: إبراهيم علي الإدريسي

‏انثري…

‏قبل أن تتناثري

‏انثري شعرك

‏حتى يلامس خيوط السماء

‏فربيعنا هذا

‏حمل لنا أزهار المساء

‏وأورثنا رائحة الغياب.

‏انثري أيتها الأنثى…

‏وابحثي عن هواء

‏يداعب شعرك المنثور

‏في أروقة الحارات

‏عن نافذة لم يغلقها الخوف

‏عن شارع

‏ما زال يتذكر خطى العابرين.

‏انثري…

‏وابحثي.

‏فقد تعددت الأسباب

‏حزن على وطن يضيع

‏وألم على مدن

‏تنام تحت ركامها

‏ودموع للراحلين،

‏وانتظار للمهاجرين

‏وربما فرح للواصلين

‏عبر بحار

‏ابتلعت الغارقين.

‏انثري…

‏ولا تخشي الهواء.

‏لا تشتري مشطا

‏ولا تذهبي إلى صالون

‏فالجميع هنا

‏ينثرون شيئا من

‏أرواحهم

‏ولا أحد يملك الوقت

‏ليجمع ما تناثر.

‏لملمي شعرك…

‏واجعليه

‏مثل راية للتكبير.

‏فربما تصبحين قائدا

‏في زمن

‏صار فيه المتآمرون

‏أكثر من الجنود

‏وصارت الحناجر

‏تبحث عن عدو

‏كي تبرر وجودها.

‏انثري…

‏وتبختري بخطواتك

‏وامرحي…

‏فلم تعد للرجال عيون.

‏الجميع موتى

‏حتى الذين يمشون.

‏يطلقون صيحات التكبير

‏فوق أغصان الخوف

‏لكنها هذه المرة

‏لا تصل إلى السماء…

‏تسقط في الطريق

‏مكسورة الجناحين

‏كأن السماء نفسها

‏لم تعد تعرف

‏لمن تُرفع الدعوات.

‏انثري…

‏ولا تخافي.

‏اخلعي حجابك…

‏فربما نحتاجه غدا

‏للأكفان.

‏ربما نحتاج قطعة قماش

‏نغطي بها

‏وجوه الذين رحلوا

‏دون أن يودعوا أحدا.

‏انثري شعرك…

‏قبل أن تتناثري.

‏ففي زمن

‏تتشابه فيه الحروب

‏مع الأعراس

‏والتكبير مع الرصاص

‏والرحيل مع الموت

‏لم يعد السؤال

‏من مات؟

‏بل…

‏من بقي

‏ليشهد

‏أننا كنا هنا؟

‏د.عماد أبو السعود

‏{القراءة الظاهراتية التفكيكية}

أولاً: من فعل التناثر إلى سؤال البقاء

‏‏يفتتح النص بعبارة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى دعوة للأنوثة والتحرر:

‏ «انثري…

‏قبل أن تتناثري»

‏لكن هذه البداية تحمل منذ لحظتها الأولى مفارقة تأسيسية؛ فالفعل «انثري» يبدو فعلاً إرادياً، بينما يأتي «تتناثري» بوصفه احتمالاً يقع على الذات.
‏وبين الفعلين تتشكل المسافة التي سيبني النص عليها حركته كلها: أن تختار الذات كيف تنثر أثرها، قبل أن تُجبر على التناثر.
‏لذلك لا يمكن التعامل مع الشعر المنثور هنا بوصفه تفصيلًا جماليًا محضًا. إن الشعر نفسه يصبح علامة على وجود مهدد؛ شيء يمكن للإنسان أن يختار نشره في العالم، قبل أن يصبح هو ذاته شيئًا متناثرًا في عالم لا يملك فيه قرار مصيره.
‏ومنذ البداية، إذن، لا يستقر المعنى على جهة واحدة؛ فـ«النثر» يمكن أن يكون حرية، ويمكن أن يكون فقداً، ويمكن أن يكون فعل حضور، ويمكن أن يكون علامة على الغياب.
‏وهذه أولى مناطق التفكيك في النص: الكلمة الواحدة لا تحتفظ بدلالة ثابتة، وإنما تبدأ في الانقلاب على معناها كلما تقدم النص.

‏ثانياً: الأنثى بوصفها مركزاً للحركة

‏يقول الشاعر:

‏«انثري أيتها الأنثى…»

‏لا تظهر الأنثى هنا بوصفها موضوعًا للغزل، بل بوصفها ذاتًا يُطلب منها أن تتحرك، وأن تبحث، وأن تفتح ما أُغلق.
‏إنها مطالبة بالبحث عن:

‏ «هواء

‏يداعب شعرك المنثور»

‏ثم:

‏«عن نافذة لم يغلقها الخوف»

‏ثم:

‏ «عن شارع
‏مازال يتذكر خطى العابرين.»

‏وهذه الصور الثلاث تتحرَّك من الهواء إلى النافذة إلى الشارع؛ أي من فضاء طبيعي مفتوح، إلى فتحة داخل المكان، إلى فضاء اجتماعي يحمل ذاكرة البشر.
‏لكن اللافت أن كل هذه الأمكنة مهددة بالإغلاق أو النسيان.
‏فالهواء يبحث عن شعر، والنافذة تواجه الخوف، والشارع مهدّد بفقدان ذاكرته.
‏وهكذا لا تعود الأنثى وحدها في مواجهة التهديد؛ العالم المحيط بها نفسه يبدو وكأنه يفقد وظائفه الأصلية.
‏الهواء لم يعد مجرد هواء، والنافذة ليست مجرد نافذة، والشارع لم يعد مجرد شارع.
‏كل شيء يتحوّل إلى علامة على إمكانية البقاء أو استحالة البقاء.

‏ ثالثاً: المكان حين يفقد أمانه

‏يأخذ النص بعد ذلك في توسيع دائرة الفقد:

‏ «حزن على وطن يضيع
‏وألم على مدن
‏تنام تحت ركامها
‏ودموع للراحلين،
‏وانتظار للمهاجرين
‏وربما فرح للواصلين»

‏هنا يتسع المشهد من الذات إلى الجغرافيا.
‏لكن المكان لا يظهر بوصفه أرضاً فحسب؛ إنه يتحول إلى جسدٍ مصاب.
‏الوطن «يضيع»، والمدن «تنام تحت ركامها»، والبحار «ابتلعت الغارقين».

‏وبذلك تتبدل العلاقات المألوفة بين الإنسان والمكان:

‏الوطن الذي يفترض أن يمنح الانتماء يصبح موضعًا للفقد،
‏والمدينة التي يفترض أن تمنح الحياة تصبح غطاءً للركام،
‏والبحر الذي يحمل العابرين يصبح مقبرةً لهم.
‏إن المكان هنا لا يحتفظ بوظيفته الأصلية؛ بل ينقلب عليها.

‏وهذا الانقلاب هو أحد أهم البنى التفكيكية في النص: كل علامة تبدأ من معناها المألوف، ثم يزحزحها الواقع الشعري نحو معنى آخر.

‏ رابعاً: حين يصبح النثر مقاومةً للانكماش
‏يتكرّر الأمر:

‏ «انثري…
‏ولا تخشي الهواء.»

‏ثم يأتي النفي الساخر:

‏«لا تشتري مشطاً
‏ولا تذهبي إلى صالون»

‏هذه اللحظة تبدو خفيفة في ظاهرها، لكنها تؤدي وظيفة مهمة داخل البناء.
‏فالشاعر يستدعي تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بالشعر والزينة، ثم يضعها أمام واقع لم يعد فيه أحد يملك الوقت لجمع ما يتناثر:

‏ «فالجميع هنا
‏ينثرون شيئاً من
‏أرواحهم
‏ولا أحد يملك الوقت
‏ليجمع ما تناثر.»

‏وهنا تبلغ كلمة «النثر» تحوّلها الدلالي الأوضح.
‏لم يعد الشعر وحده هو الذي يتناثر؛ الأرواح نفسها تتناثر.
‏‏والانتقال من الشعر إلى الروح ليس انتقالًا في الصورة فقط، بل في طبيعة الوجود الذي يصوره النص.
‏فما بدأ بوصفه حركة شعرية يصبح علامة على التفكك الإنساني.
‏والأكثر قسوة أن النص لا يقول إن أحدًا يمنع جمع هذا التناثر؛ بل يقول:
‏> «لا أحد يملك الوقت»
‏وكأن الكارثة لم تعد في وجود الفقد وحده، وإنما في اعتياد الفقد إلى درجة يصبح معها جمع الإنسان من شظاياه أمرًا مؤجلًا دائمًا.

‏-خامساً: الراية بين التكبير والخوف

‏ثم يحدث تحول مفاجئ:
‏ «لملمي شعرك…
‏واجعليه
‏مثل راية للتكبير.»
‏الشعر الذي طُلب منه أن يتناثر، يُطلب الآن أن يُلمّ ليصبح راية.
‏وهنا يدخل النص في مفارقة أخرى: التناثر والجمع.
‏لكن الجمع لا يعيد الذات إلى استقرارها؛ بل يحول الشعر إلى علامة عامة، إلى راية تدخل فضاءً سياسيًا وجماعيًا.
‏ثم يضع الشاعر هذه الراية في زمن:
‏ «صار فيه المتآمرون
‏أكثر من الجنود
‏وصارت الحناجر
‏تبحث عن عدو
‏كي تبرر وجودها.»
‏هنا تتفكك مفردة «العدو» نفسها.
‏فالعدو لم يعد بالضرورة موجودًا بوصفه حقيقة سابقة على الخطاب؛ بل تصبح الحناجر في حاجة إليه كي تبرر وجودها.
‏وهذا التحول مهم جدًا: اللغة لا تصف الواقع فقط، بل يمكن أن تصنع الحاجة إلى واقعٍ يناسبها.

‏ – سادساً: سقوط الصوت من السماء

‏يبلغ هذا التفكيك ذروة جديدة في المقطع:
‏«يطلقون صيحات التكبير
‏فوق أغصان الخوف
‏لكنّها هذه المرة
‏لا تصل إلى السماء…
‏تسقط في الطريق
‏مكسورة الجناحين»
‏هنا يأخذ النص علامة يفترض أن تكون متجهة إلى الأعلى، ثم يعيدها إلى الأسفل.
‏التكبير، بوصفه صوتًا صاعدًا، يسقط.
‏والدعاء الذي يفترض أن تكون له جهة سماوية، يصبح صوتًا مكسورًا في الطريق.
‏ثم تأتي الجملة الأكثر إثارة للتأويل:
‏ «كأن السماء نفسها
‏لم تعد تعرف
‏لمن تُرفع الدعوات.»
‏لا يقدم النص إجابة؛ بل يضع السماء نفسها داخل سؤال المعنى.
‏وهذه من أقوى لحظات النص، لأن الأزمة لم تعد في الأرض وحدها. لقد وصلت إلى العلاقة بين الإنسان وما يتجاوز الإنسان.
‏ولا يعني ذلك بالضرورة نفي المقدس، بل يكشف اضطراب العلامة حين تُستعمل داخل عالم فقد قدرته على التمييز بين الدعاء والعنف، وبين التكبير والرصاص.

‏- سابعاً: الحجاب حين يتبدل معناه

‏ثم تأتي أكثر المفارقات استفزازًا في النص:
‏> «اخلعي حجابك…
‏فربما نحتاجه غدًا
‏للأكفان.»
‏هنا تُنزَع العلامة من وظيفتها الأصلية لتدخل في وظيفة أخرى تمامًا.
‏الحجاب، بوصفه قطعة لباس، يتحول إلى قطعة قماش تُستدعى لتغطية وجوه الموتى.
‏وهكذا تتواصل آلية النص:
‏ما كان للحياة يصبح للموت، وما كان للستر يصبح للكفن، وما كان للهوية يصبح أثرًا بعد غياب صاحب الهوية.
‏وهذا ليس مجرد تناقض لغوي؛ إنه يكشف عالمًا تتداخل فيه وظائف الأشياء حتى تفقد حدودها المستقرة.

‏-ثامناً: من «انثري» إلى «تتناثري»

‏عند العودة إلى العبارة الأولى:
‏«انثري شعرك…
‏قبل أن تتناثري.»
‏يتضح أن النص كان يتحرك منذ البداية نحو هذه اللحظة.
‏فالمرأة بدأت بوصفها ذاتًا تستطيع أن تختار الفعل، لكن العالم المحيط بها أخذ تدريجيًا يسحب منها القدرة على الاختيار.
‏🔸الشعر يتناثر،
‏🔸الأرواح تتناثر،
‏🔸المدن تنهار،
‏🔸المهاجرون يتوزعون،
‏🔸الغارقون يختفون،
‏🔸التكبير يسقط،
‏🔸والأشياء نفسها تتبدل وظائفها.
‏وبذلك يصبح التناثر بنيةً شاملة للنص، لا مجرد صورة عابرة.
‏لكن المفارقة أن الشاعر لا يواجه التناثر بالصمت، بل بالكلام.
‏وهنا يعود الشعر نفسه بوصفه فعل مقاومة للغياب: أن تقول «انثري» يعني أن تمنح الذات، ولو لحظة، قدرةً على اختيار شكل حضورها قبل أن يفرض عليها العالم شكل غيابها.

‏- تاسعاً: حدود الخطاب الشعري

‏ومع قوة هذه الشبكة الرمزية، لا يخلو النص من مناطق تتقدم فيها الخطابية على الشعرية.
‏فبعض العبارات تنقل موقفها بصورة مباشرة، خصوصًا حين تتصل بالمتآمرين والجنود والعدو والحرب.
‏وهذا يمنح النص وضوحًا وقوة احتجاجية، لكنه في بعض المواضع يضيّق مساحة التأويل التي تتيحها الصور الأكثر كثافة.
‏واللافت أن النص يكون أكثر قوة حين يترك الصورة تتكلم بدل أن يشرح موقفها.
‏فصورة:
‏«التكبير…
‏لا تصل إلى السماء
‏تسقط في الطريق
‏مكسورة الجناحين»
‏أكثر اتساعًا من أي حكم مباشر على الحرب أو المتحاربين.
‏وكذلك:
‏ «ولا أحد يملك الوقت
‏ليجمع ما تناثر.»
‏تحمل من الدلالة الإنسانية ما لا تحتاج معه إلى تفسير إضافي.
‏ومن هنا يمكن القول إن النص يمتلك لحظات شعرية تتجاوز خطابيته، وكلما ترك اللغة لهذه اللحظات مجالًا أكبر، ازدادت قدرتها على إنتاج المعنى بدل إعلانه.

‏- عاشراً: من العلامة إلى انهيار النظام الدلالي

‏في النهاية، لا يعود النص مجرد سرد لمشهد حرب.
‏إنه يبني عالمًا تتعطل فيه العلاقات المعتادة بين الأشياء ومعانيها:
‏🔸الحياة تتجاور مع الموت،
‏🔸والعرس مع الحرب،
‏🔸والتكبير مع الرصاص،
‏🔸والرحيل مع الموت،
‏🔸والشعر مع التناثر،
‏🔸والحجاب مع الكفن،
‏🔸والصوت مع السقوط.
‏وهكذا لا تكمن مأساة النص في أن العالم أصبح قاسيًا فقط، بل في أن العلامات نفسها لم تعد قادرة على ضمان المعنى الذي كانت تحمله.
‏ومن هنا تنتهي القراءة الظاهراتية التفكيكية عند عتبة السؤال، لا عند الإجابة؛ لأن النص بعد أن فكك ثنائياته كلها، يتركنا أمام عالم لم تعد فيه الحدود التي اعتدناها صلبة كما كانت.

‏- القراءة الفلسفية الوجودية

‏إذا كانت القراءة الأولى قد تتبعت كيف تتفكك العلامات داخل النص، فإن القراءة الفلسفية تسأل: ما الذي يعنيه هذا التفكك للإنسان نفسه؟
‏من هذه الزاوية، يبدو النص مشغولًا بوجود إنساني يعيش في عالم تتراجع فيه قدرة الإنسان على التحكم بمصيره.
‏فالإنسان هنا لا يواجه الموت بوصفه نهاية فردية فحسب، بل يواجه تهديداً لحقه في أن يترك أثرًا يدل على أنه كان موجودًا.
‏وهذا ما يجعل عبارة:
‏ «من بقي
‏ليشهد
‏أننا كنا هنا؟»
‏أكثر من خاتمة مؤثرة.

-إنها تنقل السؤال ممَّن مات؟ إلى من بقي؟
‏والفارق بين السؤالين جوهري.
‏-السؤال الأول يتعلق بالموت.
‏-أما الثاني فيتعلق بإمكان استمرار المعنى بعد الموت.
‏فالإنسان لا يطلب في هذه اللحظة مجرد النجاة من الفناء؛ إنه يبحث عن شاهد على وجوده، عن ذاكرة لا تسمح بأن يتحول وجوده إلى شيء لم يكن.
‏ومن هنا يصبح «الشاهد» في النص ضرورة وجودية.
‏ليس الشاهد مجرد شخص يرى ما حدث، بل هو الذي يمنع الوجود من أن يتحول إلى عدمٍ بلا أثر.
‏وهذا يفسر لماذا كان «التناثر» هو الصورة المركزية.
‏فالإنسان حين يتناثر لا يفقد جسده فقط؛ يفقد وحدة صورته، وذاكرته، ومكانه، وعلاقاته، وربما اسمه أيضًا.
‏والحرب في هذا المعنى لا تقتل الإنسان وحده؛ إنها تهدد استمرارية الإنسان في الذاكرة.
‏ولهذا تصبح الكتابة نفسها فعل مقاومة.
‏إن الشاعر حين يكتب عن الذين رحلوا والمهاجرين والغارقين والمدن المهدمة، لا يعيدهم إلى الحياة، لكنه يمنحهم شيئًا آخر: إمكان ألا يختفوا بالكامل.
‏-وهنا تتخذ عبارة «أننا كنا هنا» معناها الأعمق.
‏إنها ليست إعلانًا عن المكان فقط، بل إعلان عن الوجود.
‏كأن الإنسان يقول:
‏لقد مررنا من هنا، وعشنا، وتألمنا، وحببنا، ورحلنا، ولذلك لا ينبغي أن يسمح الموت بأن يمحو حقيقة أننا كنا.
‏لكن النص لا يمنح هذا الوجود طمأنينة سهلة.
‏فالسماء نفسها في النص تبدو موضع سؤال:
‏ «كأن السماء نفسها
‏لم تعد تعرف
‏لمن تُرفع الدعوات.»
‏وهنا يظهر الاغتراب في أقصى صوره: ليس اغتراب الإنسان عن وطنه فقط، ولا عن مدينته، ولا عن الآخرين؛ بل اغترابه عن المعنى الذي كان يمنحه العالم قابلية الاحتمال.
‏ولهذا يصبح البحر، والطريق، والمدينة، والسماء، كلها فضاءات للبحث عن معنى لا يظهر كاملًا.
‏ومع ذلك، لا ينتهي النص إلى العدم.
‏فالقصيدة نفسها تفعل عكس ما تصفه.
‏إنها تتحدث عن التناثر، لكنها تجمع شظايا الوجود في اللغة.
‏تتحدث عن الذين رحلوا، لكنها تحفظ أثرهم.
‏تتحدث عن سقوط الأصوات، لكنها تمنحها صوتًا شعريًا.
‏تتحدث عن غياب الشاهد، لكنها في اللحظة نفسها تصبح شهادة.
‏وهذه، في تقديري، إحدى أعمق مفارقات النص:
‏القصيدة تبحث عن شاهد على وجود الإنسان، بينما هي نفسها تقوم بوظيفة الشاهد.
‏ومن هنا يمكن أن نفهم الكتابة في النص لا بوصفها وصفًا للمأساة فحسب، بل بوصفها محاولة لمقاومة المحو.
‏فإذا كان الموت قادرًا على إسكات الجسد، فإن اللغة تحاول أن تمنع الصمت من أن يكون الكلمة الأخيرة.
‏وهنا يعود «انثري» إلى بدايته، لكن بمعنى أكثر عمقًا:
‏أن تنثر شعرك، أن تنثر روحك، أن تنثر كلماتك، قد يكون في عالم كهذا طريقة أخرى لترك أثر قبل أن يأتي التناثر الذي لا اختيار فيه.
‏ومن ثم فإن السؤال الأخير لا يظل سؤالًا عن الناجين فقط، بل عن إمكان أن يبقى للإنسان معنى بعد أن يغيب الإنسان نفسه.
‏وربما لهذا لا يكون أكثر ما يخيف في عالم النص هو الموت ذاته، وإنما الموت بلا ذاكرة، والغياب بلا شاهد، والوجود الذي يمضي دون أن يترك في العالم علامة تقول: كنا هنا.
‏وهنا تتوقف القراءة، لا لأن النص أغلق معناه، بل لأنه تركه مفتوحًا على القارئ.
‏فالسؤال الذي بدأ بـ«انثري» وانتهى بـ«من بقي» لم يعد سؤال المرأة وحدها، ولا سؤال الحرب وحدها؛ لقد صار سؤال الإنسان حين يدرك أن حياته، مهما كانت قصيرة، تريد أن تقول للعالم شيئًا واحدًا قبل أن تصمت:
‏لقد كنا هنا.

‏✍️إبراهيم علي الإدريسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى