سمير زين العابدين يكتب :اغتصاب الجغرافيا وفاتورة الرفاهية في العاصمة الادارية الجديدة
كيف يدفع 90% من المصريين ثمن "عبقرية" رأس المال الصِفري؟

خرجت السردية الرسمية ذات يوم لتتغنى بمعجزة اقتصادية فريدة، تزعم أن شركة العاصمة الإدارية الجديدة بدأت برأسمال يساوى “صفرًا”، ثم تحولت بقدرة قادر وفي غضون سنوات قليلة إلى كيان تبلغ أصوله مئات المليارات.
غير أن هذه “العبقرية” المزعومة تفقد بريقها وتتحول إلى صدمة مروعة بمجرد إخضاعها للمنطق الاقتصادي المستقل؛
فالمال لا ينبت في الصحراء من عدم، وما جرى لم يكن إعجازًا ترويجيًا، بل كان عملية “إعادة توزيع عكسية للثروة”
انتزعت أصول الشعب لتصنع رفاهية فئة لا تتعدى 10%، وتركت لـ 90% من المصريين فاتورة باهظة ومستدامة يسددونها من قوت يومهم ومستقبل أبنائهم.
الفرية الأولى: رأسمالٌ صِفري.. أم مصادرة لأملاك الشعب؟
الحديث عن رأسمال قيمته “صفر” هو مغالطة تلتف على الحقيقة؛ فالأرض التي أقيمت عليها العاصمة الجديدة ليست ملكية خاصة هبطت من السماء، بل هي أرض مصرية خالصة مملوكة للشعب، تمثل دافع الضرائب والمواطن البسيط جزءًا من كينونتها.
تكلفة الفرصة البديلة الضائعة:
جرى تخصيص هذه الملايين من الأمتار المربعة لشركة “خاصة” (ACUD) خارج حدود رقابة البرلمان والموازنة العامة للدولة. اقتصاديًا، وتم حرمان الخزانة العامة من عوائد بيع أو استغلال هذه الأراضي بشكل مباشر،
وهي الأموال التي كان يمكن أن تتدفق لسداد الديون الوطنية، أو ضخها لإنقاذ المنظومة الصحية والتعليمية المتهاوية.
إيجار مُموَّل من جيب المواطن:
لم تكتفِ الشركة بالحصول على الأرض كأصل عيني مجاني، بل إن الحي الحكومي والوزارات التي انتقلت إلى هناك تدفع إيجارات سنوية فلكية للشركة.
هذه الإيجارات تُسحب مباشرة من بند المصروفات في الموازنة العامة (أموال ضرائب الشعب)، مما يعني أن المواطن يدفع مرتين:
مرة عندما أُخذت أرضه بلا مقابل،
ومرة عندما تم استخدام أمواله لإنعاش أرباح شركة العاصمة عبر عقود إيجار مقنعة.
إعصار “العدوى السعرية”: طرد الطبقة المتوسطة من حلم السكن
أدى طرح هذا الكم الهائل من السكن الفاخر والمجمعات المغلقة (Compounds) بأسعار فلكية إلى إحداث تشويه هيكلي عنيف في سوق العقار المصري:
اشتعال الأسعار في عموم مصر:
انتقلت الحمى السعرية تلقائيًا إلى السكن المتوسط والاقتصادي في كافة المحافظات والقرى تحت تأثير “العدوى السعرية”، حيث قام ملاك العقارات العادية برفع قيمتها لمواكبة موجة الغلاء العقاري دون أي تحسين في الخدمات.
العقار كمخزن قيمة والتخريب الربحي:
تحول العقار من حاجة إنسانية للسكن إلى أداة مضاربة وحفظ قيمة للفئات الثرية،
مما دفع المطورين للهروب من بناء الإسكان الاقتصادي نحو العقارات الفاخرة لارتفاع ربحيتها.
والنتيجة؟ أصبح الحصول على شقة سكنية عادية للشباب أو الأسر المتوسطة عبئاً تعجيزياً وخارج القدرة الشرائية لأغلبية الشعب، مع شروط سداد مدمج بها فوائد تلتهم الدخل الكامل للأسرة وقد لا يكفي.
الفاتورة المادية: طحن المواطن لسداد ديون الرفاهية
تتحمل الشرائح الواسعة خارج فئة المستفيدين انعكاسات مادية بالغة القسوة في حياتهم اليومية، لتغطية العجز المالي وسداد تكاليف مشروعات النقل والربط الفاخرة (كالقطار السريع والمونوريل والبرج الأيقوني):
جباية السيولة عبر الرسوم والضرائب: توسعت الدولة في تعديل القوانين المالية (مثل قانون رسم تنمية موارد الدولة) لفرض كلف إضافية مستحدثة يلمسها المواطن يوميًا؛ بدءًا من فرض رسوم على طن الأسمنت كمثال (مما يشعل كلفة البناء العادي)،
مرورًا برفع أسعار فواتير الكهرباء والوقود وضريبة القيمة المضافة (14%)،
وصولاً إلى رسوم استخراج الأوراق الثبوتية ورخص القيادة وجوازات السفر ورسوم المغادرة.
تدهور الخدمات والنقل العادي:
في الوقت الذي تتدفق فيه استثمارات بمليارات الدولارات عبر القروض السيادية لإنشاء وسائل نقل فاخرة بتعريفة ركوب مرتفعة تناسب قاطني المدن الجديدة، تُركت الطرق الفرعية والداخلية في المحافظات والقرى تعاني من عجز شديد في مخصصات الرصف والصيانة، ليعيش المواطن البسيط في طرق متهالكة ومواصلات عامة تعاني من نقص التمويل، يخاطر بحياته في الميكروباصات والتكاتك، مجبرًا على تحمل كلفة إهلاك سيارته أو دفع تعريفتها العشوائية.
الأثر النفسي والمعنوي: صدمة الاغتراب وتراجع قيمة الإنتاج
لا تتوقف الآثار عند حدود الجيب، بل تمتد لتضرب التماسك النفسي والمعنوي للمجتمع:
الشعور بالاغتراب والفرز الطبقي:
تولّد هذه المدن فائقة الرفاهية، المحاطة بالأسوار والحراسة والأرقام القياسية الرمزية (أكبر مسجد، أكبر كنيسة، أطول برج)، شعورًا عميقًا لدى المواطن بأنه مستبعد ومقصى مكانيًا وطبقيًا،
وأنه مجرد مشاهد عبر الشاشات لإنجازات لا تمس واقعه المرير.
اهتزاز الثقة وأزمة الأولويات:
يرى المواطن تراجعًا مستمرًا في دعم السلع الأساسية وتكدسًا في الفصول المدرسية وعجزًا في المستشفيات الحكومية، بينما يطالب باستمرار بالتقشف وتحمل الضغوط، في مفارقة تعمق فجوة الثقة بين الشارع وصناع القرار وتوضح الخلل الحاد في إدارة أولويات الإنفاق.
تدمير قيمة العمل الحقيقي:
ترسخ في الأذهان انطباع عام بأن الدولة لم تعد تهتم بالعمل الإنتاجي الحقيقي كالتعليم والصناعة والزراعة،
بل باتت تكافئ الاقتصاد الريعي والمضاربة على الأراضي والعقارات،
مما يصيب الأجيال الجديدة بالإحباط المهني ويزيد من القلق الدائم حول مستواهم المعيشي والمالي المستقبلي.
إن “فكرة العاصمة” لم تكن معجزة اقتصادية برأس مال صفري، بل كانت آلية لاستنزاف الأصول العامة، تركت خلفها فئة محدودة تجني الأرباح والمجمعات المغلقة، في مقابل أغلبية ساحقة من الشعب المصري تئن تحت وطأة ديون ممتدة، وتضخم يلتهم الأجور، وضغوط نفسية واجتماعية ستتحمل الأجيال الحالية والقادمة فاتورتها لسنوات طويلة.