كتاب وشعراء

حين تعب الضوء …بقلم: نجاة زعيتر

في آخر الممر، كان بابٌ لا يفضي إلى شيء، ومع ذلك ظلَّ مفتوحًا كقلبٍ ينتظر اعتذارًا لن يأتي.

كانت تمشي بخطواتٍ خفيفة، كأنها تخشى أن توقظ الغبار النائم فوق الذكريات. كل شيء حولها كان يعرف اسمها، إلا هي. المرايا تعيد وجهًا أنهكه الانتظار، والنوافذ تحفظ ملامح الفصول التي مرت دون أن تطرق قلبها.

توقفت عند شجرةٍ يابسة. مدت يدها إلى أحد أغصانها، فلم تبحث عن زهرة، بل عن نبض. أدركت يومها أن الأشجار لا تموت حين تجف، بل حين يكف أحدهم عن النظر إليها ككائنٍ يستحق الحياة.

جلست على حجرٍ بارد، وأخرجت من جيبها قطعة خبزٍ يابسة. كسرتها إلى فتات، لا لتطعم العصافير، بل لتقنع الوحدة أن لها ضيوفًا. جاءت العصافير متأخرة، كما تأتي الأفراح دائمًا، وحين حطت حولها، بدا الصمت أقل قسوة.

رفعت رأسها إلى السماء، ولم تطلب معجزة. اكتفت بأن تترك دمعةً تصعد بدلًا من أن تهبط. لعل السماء، مرةً واحدة، تتعلم كيف تبكي عن البشر.

وعندما نهضت، لم يكن الطريق قد تغيّر، لكن قلبها فعل. فقد اكتشفت أن الضوء لا يولد من الشمس وحدها، بل من الإنسان حين يتصالح مع عتمته، ويكف عن انتظار نافذة يفتحها الآخرون.

ومنذ ذلك المساء، صار كل من مرَّ بذلك الممر يظن أن الباب المفتوح يقود إلى حديقة. ولم يكن هناك حديقة قط… سوى تلك التي نبتت في روح امرأةٍ قررت، أخيرًا، أن تتوقف عن البحث، وتبدأ بالازدهار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى