كتاب وشعراء

جدليّة النَّقرة الأولى …بقلم طاهر عرابي

فقستِ البيضةُ تحت جناح أمِّه،

فخرج مشدوهًا يتلفّت:

«أين كنت؟ وما بعد الآن؟

أتعبني الخروج من سجنٍ بلا باب،

كانت الحجرةُ تضيق بي، والبياضُ يبتلع صوتي،

حتى صرتُ أسمع نبضي كطبولٍ في كهفٍ صغير.

والضوءُ صفعةٌ أولى…

كأن العالم يختبر قدرتي على الاحتمال.

وما معنى المسير،

وأمي جاثمةٌ تنتظر اكتمال الدائرة؟

لا أرى وجهي… مصيبة كبيرة!

كيف أمضي ولا أعرف وجهي؟

وجهُ أمي عتيق،

وربما خرجتُ بلا وجه.

حتى الأقدام تبدو لي أوصافًا عبثية فوق الأرض،

أحملها ولا أعرفها.»

٢

نظر إلى أخيه الذي قفز مذعورًا،

حدّق فيه، وانتظر صورته فيه،

وأعجبه الزغبُ الأصفر حول منقاره، فقال:

«وجهي مثل وجهك،

أو وجهك مثل وجهي.

سأرحل وحيدًا يا أخي…

أشكرك لأنك مثلي،

لكنني سأذهب،

فأنا لا أطيق أن أبقى (أنا أنت).

في حجرتي كنتُ وحيدًا،

فكيف لي الآن أن أراك معي؟»

ومشى يغنّي:

«أنا عنود، صاحبُ أول نقرة…

خرجتُ ولن أعود.

سأجعل من حياتي ديكًا أو دجاجة،

لا أعلم أيَّ فكرة سأختار.

سأصير شاعرًا أو فيلسوفًا،

وأحلّ لغز البيضة من الداخل،

حيث كنتُ ميتًا ومولودًا في اللحظة نفسها.

لا عودة إلى الحجرة البيضاء…

فالنقرة التي كسرت الجدار

كانت ولادتي الأولى.»

٣

تعثّرت خطواته،

ووقع على أنفِ ضفدعٍ مستلقٍ.

أكل عنكبوتًا،

وتحلّى بفراشات،

ثم حدّق بقلق.

قالت الضفدعة ساخرة:

«احذر الطريق،

ولا تتمايل كجملٍ يخفي سنمه!

ما إن خرجتَ حتى ظننتَ نفسك بطلًا؟

تعلّم الحكمة…

فالرؤية حلمٌ جميل،

وحياتك أثمنُ من أن تصير رذيلًا متسكّعًا.

نحن أبناء الماء…

نرى ما لا يراه الطائر،

ونسمع ما لا يسمعه الجبل.»

حدّق فيها وقال:

«من أنتِ؟

وجهكِ مثلثٌ يثير الشغب!

كفاكِ تكوّرًا على حجرٍ،

وثرثرتكِ ماءٌ مسروقٌ من جدولٍ لا يطيق لمسَك.»

لسعته بلسانها، فصرخ بين عينيها:

«اتركيني!

أهذا هو الوعد؟

أن أخرج لأعشق قبلةً

لا أعرف طعم الهواء قبلها؟

تحثّينني على الحب،

وأنتِ ضفدعةٌ استسلمتِ للخديعة بلا مبدأ!»

ثم قال بعد أن أفلتته:

«الضفدعة وصفتني بجمل… حمقاء!

كلُّ من يخرج من بيضته يظن نفسه عملاقًا…

ثم يتعلّم أن الطريق أطول من منقاره.

الكلُّ متّهمٌ هنا

حتى يُصان العدلُ في الربح.

مهزلةُ السلطة:

رابحٌ واحد، وألفُ خاسر…

وأنا سأبدأ خاسرًا.

كيف أصعد الجبل،

وأنا لم أذق حبّة قمح؟

هل أعود إلى أمي وأكذب؟

بريءٌ وُلدتُ

قبل لحظةٍ دون مقابل.»

٤

فجأة، سمعه أخوه الأصفر،

فناداه بصرامةٍ كجنود الاستعراض:

«أنا لستُ أخاك وإن شابهتك في الريش.

هل لنا نفسُ القلب والنبض؟

أنا لم أخرج لأغنّي

أو أعشق ضفدعةً فوق حجر.

تريد أن تصير فيلسوفًا؟

هل الفلسفة أن تُنكر الأصل؟

العالمُ لا ينتظر المتردّدين…

فالريشُ وحده لا يصنع ديكًا،

بل القدرة على الوقوف فوق جدار بلا خوف.

أنت تلتصق بالخوف

كبيضةٍ لا تعرف الحواف،

وأنا يقينُ العالم،

وأنت يقينُ النفس.

ستبقى بلا مراتب،

ولنرَ من يصير ديكًا شهيرًا وصوتًا صادحًا!

سأحكم هذا المكان…

لا حاجة لنا بالضفادع ولا بالشعراء.

مهزلةُ الفلاسفة أنهم يموتون بصدق،

ويتركون ألف طريق…»

قال عنود مذهولًا:

«أأنتَ أخي؟

ظننتُك مرآتي…

كم أخطأتِ المرايا،

وتبدّلتِ النوايا

كبرقٍ شقَّ غيمةً ثم مضى.

جمودُ الوعي يُرهق المرايا

ويبدّد روعة البدايات.

أنا لا أبحث عن مرتبة،

بل عن معنى…

وأخشى أن أصير صدىً

لصوتٍ لم أختره.

العنفُ ليس سيّدًا،

بل هبابُ القوة العمياء…

فكّر بغيرك.»

أجابه الأصفر:

«لو لم أكن عطشانًا

لبكيتُ عليك…

وأنت ديكُ العبث.»

٥

قفز الضفدع وداس على قدمه:

«اسمع أيها المغرور!

عطشان؟ هناك بحيرة… اشربها واخرس.»

ثم دخلت أمّهم الدجاجة،

وخلفها عشرةُ صيصان، وقالت:

«ما أجمل هذا المكان!

ضفدعٌ يحرسنا،

وبحيرةٌ تسقينا.

أبوكم ذاك الديك الأصيل،

مات دفاعًا عن كرامتي.

فقالوا: شاخ وأكلوه…

اذكروه يا أولادي بطلًا،

لم يأتِ ديكٌ يشبه حلمه.

سأبقى في خدمتكم

حتى تصيروا دجاجًا.

رأيتُ ديكةً كثيرةً تصرخ،

ثم تسقط…

وما نجا إلا من عرف متى يصمت.»

فقال الصوص الأصفر:

«أنا ديكٌ يا سيدتي!

إن لم أصِر مهيبًا

فأعيديني إلى سجن البيضة!

أهونُ عليّ

من أن أنقر الحبَّ وأضع البيض!»

فقالت الأم بحسرة:

«مات أبوك في عراكٍ من أجل كرامتي،

وطبخوه وأكلوه.

وما أوقح أن تقول “سيدتي”

وأنت كلّك لي!

دعك من حبّ الوهم،

فلولا الرياح ما صار الغبارُ عجاجًا…

وأخشى عليك من قسوة الظلم

إن أحببتَ أن تكون ظالمًا.

أخشى أن يسرقك الطريق

قبل أن تتعلّم معنى الأرض.»

ضحك الضفدع حتى اختنق وقال:

«يحيى المنطق!

العطرُ لا يسبق الوردة،

بل الرحيقُ هو من يجعلها ثمينة.

خُذيه… مغرورٌ علّه يتعلّم،

فهو لن يجد طريقًا،

ولا حتى بسمةً من حبّة قمح.

فالطريقُ لا يُعطي أحدًا ما يريد…

لكنه يكشف له ما يخشاه.

وداعًا لمن كسر القشرة،

ولم يعرف بعدُ معنى الخروج.»

دريسدن – 01.07.2025 | نُقّحت في 11.07.2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى