رؤي ومقالات

محمد خدوجه يكتب :تحوّل السلطة من الدولة إلى المنصة

التكنولوجيا-الإقطاعية وأزمة السيادة والديمقراطية المعاصرة

في الكتاب الصادر الاسبوع الماضي (4اوت) ،عن دار النشر الارجنتيتية Vértice de Ideas ، للأستاذ والخبير ماتياس بيانكي Matías Bianchi ،تحت عنوان :
الدولة في مواجهة الخوارزمية: القوة الرقمية، واستيلاء الدولة، والسعي لاستعادة الديمقراطية
State vs. Algorithm: Digital Power, State Capture, and the Quest to Reclaim Democracy
يجادل المؤلف في الفصل الرابع والخامس من هذا الكتاب ،بان مختلف النظم السياسية في العالم،تشهد تحولًا عميقًا في طبيعة السلطة ومصادرها. لان الدولة القومية لم تعد الفاعل الوحيد،القادر على تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما لم تعد المؤسسات الديمقراطية تملك دائمًا القدرة الفعلية، على إتخاذ القرارات التي تحدد مصير المجتمعات. فقد انتقلت أجزاء واسعة من القوة إلى شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية،والى ورأس المال المالي العابر للحدود، وهي قوى لا تخضع بالقدر نفسه للرقابة الديمقراطية، التي تخضع لها الحكومات والمؤسسات العامة.
يناقش الفصلان الرابع والخامس من كتاب هذا التحول من زاويتين مترابطتين. يركز الفصل الرابع على صعود ما يسميه المؤلف “العصر التكنولوجيا-الإقطاعي”، حيث تتحول المنصات الرقمية إلى مجالات خاصة، لاحتكار البيانات واستخراج الريع وتوجيه السلوك. أما الفصل الخامس فيتناول النتائج السياسية لهذا التحول، ولا سيما تراجع سيادة الدولة ،وتراجع قدرتها على إنتاج السلع والخدمات العامة، وبناء الجماعة السياسية، وحماية المجال العام من التلاعب الخوارزمي.
وتتمثل الأطروحة المركزية لهذين الفصلين في أن الأزمة الديمقراطية الراهنة، لا يمكن تفسيرها فقط بضعف الأحزاب أو تراجع الثقة بالمؤسسات، بل ينبغي فهمها باعتبارها نتيجة لتحول بنيوي في مركز السلطة: من المؤسسات العمومية الخاضعة للمساءلة، إلى منصات رقمية خاصة تمارس سلطة اقتصادية ومعلوماتية وثقافية تتجاوز الحدود الوطنية.
1- من الإنترنت المفتوح إلى المنصة الاحتكارية
ظهر الإنترنت في بدايته باعتباره فضاءً مفتوحًا، قائمًا على التعاون وتبادل المعرفة، وقد ارتبط بوعد ديمقراطي، يتمثل في تجاوز احتكار وسائل الإعلام التقليدية، وتوسيع المشاركة السياسية. فقد أتاحت المدونات والمنتديات وشبكات التواصل، إمكانات جديدة للتعبير والتنظيم وتبادل المعلومات، وبدت التكنولوجيا الرقمية وكأنها ستجعل المجال العام أكثر تعددية وانفتاحًا.
غير أن هذا الوعد تعرض لتحول تدريجي، مع انتقال الإنترنت من مجال عام ذي طابع تعاوني، إلى بنية اقتصادية تهيمن عليها شركات خاصة. فقد أصبحت المنصات الكبرى تتحكم في البنية التحتية للتواصل، وفي محركات البحث، والتجارة الإلكترونية، والإعلانات الرقمية، والحوسبة السحابية وأنظمة الدفع وتوزيع الأخبار والمعلومات. لم تعد المنصة مجرد أداة تقنية محايدة، لإنها تحولت إلى فضاء يضع قواعد المشاركة، ويحدد شروط الوصول ويقرر ما يظهر للمستخدمين وما يختفي عنهم.
تكمن أهمية هذا التحول في أن الشركات الرقمية، لا تحقق أرباحها من بيع السلع والخدمات فقط، بل من جمع البيانات وتحليلها والتنبؤ بسلوك الأفراد والتأثير فيه. فكل عملية بحث أو نقرة أو إعجاب أو مشاركة، أو مدة يقضيها المستخدم أمام الشاشة، تتحول إلى مادة قابلة للمعالجة والاستثمار. وبذلك يصبح المستخدم، في اقتصاد المنصات، منتجًا للبيانات بقدر ما هو مستهلك للخدمات.
إن هذه العملية تتجاوز مفهوم المراقبة التقليدية. فالمراقبة لا تقتصر على معرفة ما يفعله الأفراد، بل تهدف إلى التنبؤ بما قد يفعلونه، ثم توجيه اختياراتهم الاستهلاكية والسياسية. ومن هنا يبرز ما يسميه الكتاب “السلطة الفوقية المعلوماتية”، أي القدرة على التأثير في الأجندة العامة وتشكيل التفضيلات، والاتجاهات السياسية عبر التحكم في الانتباه والمعلومات.
ثانيًا: التكنولوجيا-الإقطاعية واحتكار البنية التحتية
يستعمل الكتاب مفهوم “التكنولوجيا-الإقطاعية” ،لوصف نمط جديد من السلطة الاقتصادية ،يقوم على احتكار المنصات والبنى التحتية الرقمية، واستخراج الريع من المستخدمين والشركات التابعة لها. وعلى الرغم من اختلاف هذا النظام عن الإقطاع التاريخي، فإن التشابه يتمثل في وجود مجالات خاصة يسيطر عليها فاعلون كبار، ويفرضون داخلها قواعدهم الخاصة، ويستخلصون رسومًا من كل من يرغب في الدخول أو النشاط.
تملك الشركات الرقمية الكبرى عناصر قوة متشابكة تشمل البيانات، والخوارزميات، والحوسبة السحابية، والمتاجر الإلكترونية، وأنظمة الدفع، وتأثيرات الشبكة. وكلما ازداد عدد المستخدمين داخل منصة معينة، ازدادت صعوبة الانتقال إلى منصة أخرى، وأصبح الخروج من النظام مكلفًا اقتصاديًا واجتماعيًا. وتؤدي هذه الدينامية إلى تعزيز الاحتكار، لأن المنصة القوية تجذب مزيدًا من المستخدمين، ومزيدًا من البيانات، ومزيدًا من الموارد، فتزداد قوتها على نحو تراكمي.
وفقًا للتحليل الذي يستعرضه الكتاب لدى سيدريك دوران ويانيس فاروفاكيس، لم يعد الربح يعتمد أساسًا على المنافسة الإنتاجية، بل أصبح يرتبط بالسيطرة على “الأراضي الرقمية”، وفرض رسوم المرور داخلها. فالشركة التي تسيطر على منصة أو بنية تحتية أساسية، قادرة على فرض شروطها على المستهلكين والمنتجين والمعلنين والعاملين. وفي هذه الحالة تتحول المنصة إلى “حارس بوابة”، يملك سلطة تحديد من يدخل السوق، وكيف يصل إليه، وما النسبة التي يدفعها مقابل ذلك.ولا تقتصر آثار هذا النموذج على الاقتصاد. فحين تصبح الشروط الخاصة بالمنصات، وسياسات الاستخدام، والخوارزميات، بدائل عملية عن القوانين العامة، تنتقل قرارات كانت تُناقش في البرلمانات والمحاكم، إلى فضاءات خاصة لا تتمتع بالشفافية نفسها.
وهكذا ينشأ نوع من القانون الخاص العابر للحدود، لا يصدر عن ممثلين منتخبين، بل عن مجالس إدارة وشروط استخدام، يصعب على المواطنين التأثير فيها.
ثالثًا: تراجع الدولة القومية وأزمة السيادة
يربط الفصل الخامس بين صعود المنصات الرقمية وتراجع الدولة القومية. ولا يقصد المؤلف بالسيادة مجرد قدرة الدولة على إصدار القوانين أو امتلاك جيش، بل يشير إلى قدرتها الفعلية على تنفيذ القواعد، وفرض الضرائب، وإنتاج الخدمات العامة، وحماية الحقوق، والحفاظ على الاستمرارية المؤسسية. لقد كانت الدولة الحديثة تاريخيًا ،الإطار الذي سمح بتنظيم السوق وبناء البنية التحتية وتوسيع المواطنة. فقد أنشأت المدارس والمستشفيات وشبكات النقل والاتصال، وفرضت الضرائب، وضمنت العقود، ونظمت علاقات العمل، ووفرت الحد الأدنى من شروط المشاركة السياسية. ولذلك، فإن الديمقراطية لم تكن منفصلة عن الدولة، بل اعتمدت على قدرتها على تحويل الحقوق القانونية إلى حقوق فعلية.
غير أن العولمة المالية والاقتصاد الرقمي، أضعفا هذه القدرة. فرؤوس الأموال تنتقل بسرعة بين البلدان، والبيانات تُخزّن في خوادم عابرة للحدود، والشركات تستطيع توزيع أنشطتها وأرباحها بطريقة تقلل من التزاماتها الضريبية. كما أن الدولة لا تملك دائمًا الوسائل التقنية أو القانونية، لتنظيم بنى تحتية تقع خارج إقليمها. ونتيجة لذلك، تتراجع استقلالية الدولة المالية والقانونية، وتصبح قدرتها على إعادة توزيع الثروة وحماية العمال وتمويل الخدمات العامة محدودة.
لا يتعلق الأمر إذن بضعف الدولة ،من حيث حجم جهازها الإداري فقط، بل بإفراغ الشروط التي تجعل ممارسة السلطة العامة ممكنة. فالدولة قد تمتلك مؤسسات رسمية، لكنها تفتقر إلى الموارد والقدرة التقنية والسياسية، اللازمة لفرض قراراتها على الفاعلين العالميين. وهذا ما يؤدي إلى انفصال متزايد بين الدولة الشكلية ،والدولة القادرة على الحكم.
رابعًا: تآكل المجال العام وبناء الجماعة السياسية
لا تقوم الدولة على المؤسسات والقوانين وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى جماعة سياسية، تشعر بوجود مشروع مشترك. وقد ساهمت الدولة الحديثة في بناء هذه الجماعة، من خلال التعليم والإعلام واللغة ،والرموز الوطنية والذاكرة التاريخية. إلا أن المنصات الرقمية تعيد تشكيل المجال العام ،بطريقة تؤدي غالبًا إلى التفتيت والاستقطاب، بدل بناء الإحساس بالمشترك.
تعمل الخوارزميات على إبقاء المستخدمين في حالة اتصال دائم، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى تقوية الروابط الاجتماعية. فالمنصة تستفيد من زيادة التفاعل، وغالبًا ما يكون المحتوى المثير للغضب والخوف والاستقطاب، أكثر قدرة على جذب الانتباه من النقاش الهادئ والمعقد. لذلك، لا يمثل الاستقطاب مجرد خلل عرضي في النظام الرقمي، بل يمكن أن يكون جزءًا من منطق اقتصادي ،يقوم على تعظيم مدة الاستخدام والتفاعل.
يتناول الفصل الخامس هذه المسألة من خلال فكرة “المعضلة الخوارزمية” The algorithmic dilemma وتأثيرها في علم نفس الجماهير. فالمجال الرقمي لا يكتفي بنقل الآراء، بل يتدخل في طريقة تكوينها، عبر استهداف الانفعالات واستثمار الخوف والغضب والشعور بالتهديد. وتصبح “اللوزة الدماغية”، بوصفها مركزًا للاستجابة العاطفية، مدخلًا سياسيًا لتوجيه الجمهور نحو ردود فعل سريعة، بدل التفكير النقدي والتحليل العقلاني.
وتزداد خطورة هذه العملية، عندما تُستخدم الأكاذيب والمعلومات المضللة، لتشكيل تصورات جماعية عن المهاجرين أو الأقليات أو الخصوم السياسيين. فبدل أن تدور المنافسة السياسية حول البرامج والسياسات، تتحول إلى معركة على الهوية والخوف والانتماء. وتجد القوى اليمينية السلطوية في هذا الوضع، فرصة لتقديم نفسها بوصفها حامية للنظام والأمن والهوية الوطنية، حتى عندما تضعف المؤسسات الديمقراطية وتقلص الحقوق.
خامسًا: نحو استعادة القوة الديمقراطية
لا يقترح الكتاب العودة الحنينية إلى نموذج الدولة القومية في القرن العشرين، لأن الظروف التي أنتجت ذلك النموذج لم تعد قائمة. فالتكنولوجيا والاقتصاد والاتصالات أصبحت عابرة للحدود، ولا تستطيع دولة واحدة بمفردها تنظيمها بصورة فعالة. ولذلك، فإن استعادة القوة الديمقراطية تتطلب إعادة بناء الدولة، ولكن ضمن إطار جديد، يجمع بين الدولة الوطنية والتعاون الإقليمي والدولي والمشاركة المجتمعية.
تتمثل الخطوة الأولى في إخضاع الشركات الرقمية لقواعد مكافحة الاحتكار، ومنع عمليات الاندماج والاستحواذ، التي تؤدي إلى تركيز القوة في عدد محدود من الشركات. كما ينبغي فرض ضرائب على الإيرادات الفعلية المتحققة داخل الدول، بدل السماح بنقل الأرباح إلى مناطق منخفضة الضرائب.
ويقترح المؤلف كذلك تنظيم تدفقات البيانات، وحماية الخصوصية، ومنع الاستهداف السياسي والتجاري الذي يستغل نقاط الضعف النفسية للمستخدمين.
أما الخطوة الثانية فتتعلق ببناء بنية رقمية عامة ومفتوحة وقابلة للتدقيق. فالدولة لا يمكنها حماية سيادتها، إذا ظلت تعتمد كليًا على بنى تحتية مملوكة لشركات أجنبية. غير أن بناء السيادة الرقمية لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للرقابة السلطوية؛ إذ يجب أن يكون مصحوبًا بالشفافية، وحماية الحقوق، وإشراف القضاء والمجتمع المدني.
وتتمثل الخطوة الثالثة في تحويل الطاقات الاجتماعية والتعاونية إلى مؤسسات مستمرة.
يؤكد المؤلف في الفصل الخامس أن مجتمعات الجنوب العالمي، تمتلك تقاليد غنية في التعاون والرعاية والتدبير الجماعي، مثل “المنغا” في منطقة الأنديز و“التكيو” في المكسيك وممارسات “الهارامبي” في شرق إفريقيا. غير أن هذه المبادرات غالبًا ما تظل مؤقتة ،بسبب ضعف القدرة المؤسسية. ولذلك، فإن التحدي يتمثل في تحويل التعاون المحلي، إلى سياسات عامة ومؤسسات دائمة.
كمايؤكد أن التحول الاكبرالذي تعرفه المجتمعات، لايمكن حصره في تسارع التطور التكنولوجي وتاثيراته،بل في إعادة تنظيم واسعة لعلاقات القوة. يتم بواسطة المنصات الرقمية، وينسحب على البنى الاقتصادية والسياسية، بالتحكم في البيانات والانتباه والسوق، بينما تفقد الدولة تدريجيا قدرتها على تنظيم المجتمع.
إن الخطر الأساسي لا يكمن في وجود التكنولوجيا ذاتها، بل في خضوعها لمنطق الاحتكار والريع وغياب الرقابة الديمقراطية. ومن ثم، فإن الدفاع عن الديمقراطية يتطلب استعادة السيطرة العامة على البنية التحتية الرقمية، وإعادة بناء الدولة القادرة، وتقوية المجتمع المدني، وتطوير أشكال جديدة من التعاون الإقليمي والدولي. فالديمقراطية لا تُحمى بالانتخابات وحدها، وإنما بوجود قوة اجتماعية ومؤسسية قادرة على ضمان المساواة في الوصول إلى المعلومات، والمشاركة في اتخاذ القرار، ومساءلة من يملكون الموارد والقدرة على التأثير.
يبين المؤلف أن السؤال الحاسم في المرحلة الراهنة ،ليس ما إذا كانت التكنولوجيا ستغير السياسة، بل من سيمتلك التكنولوجيا، ومن سيضع قواعد استخدامها، ولصالح أي جماعات ستُوظف. فإذا تُركت هذه القرارات للمنصات الخاصة والنخب التكنولوجيا-المالية، فإن الدولة ستتحول إلى إطار شكلي، وستصبح الديمقراطية مجرد واجهة إجرائية.
أما إذا أُعيد إدماج التكنولوجيا في عقد ديمقراطي جديد، فقد تصبح أداة لتوسيع الحقوق، وتعزيز المشاركة وبناء مؤسسات، أكثر عدلًا وقدرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى