رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : قلق الهوية أم سقوط أقنعة؟

منذ الاحتلال وحتى اليوم يطرح كثيرون موضوع اضطراب الهوية او تفكيك الهوية عند العراقي وهذا الوهم أشاعه الروائيون والنقاد الذين يلبّسون مفاهيم نقدية غربية على مواقف ومشاعر عراقية نتاج ثقافة مختلفة مثل من يشتري ثوب سهرة من محلات باريس لفلاحة جنوبية.
مشكلة العراقي ليست فقدان أو اهتزاز أو قلق الهوية هذا الوهم النظري الذي لا يتوقف عند صدور رواية في الوطن أو المنفى لأن الهوية ليست ملصقة بصمغ بحيث تتطاير لانها نتاج قرون بل هي جزء من التكوين الثقافي النفسي المتغير والبيولوجي كاللون والبشرة والشكل الثابت وكل الملامح الخارجية التي لا تتغير حتى في التحديات والتحولات الكبرى.
هناك خلط شائع حتى عند نخب الأدب والنقاد بين اضطراب الهوية وبين اضطراب القناع أو ما عبر عنه عالم النفس كارل يونغ ” القناع ــــ البيرسونا” الذي يستعمله الانسان للتكيف الاجتماعي ويصبح جزءاً من شخصيته الظاهرة في نسق متعارف من الافعال كالطبيب والضابط والمعلم والخ.
( البيرسونا Persona ــــــــــــــــــــ حسب قاموس علم النفس ـــــــــــــــــ هو القناع الاجتماعي أو الوجه الذي يرتديه الإنسان ليواجه به العالم الخارجي ويتكيف مع توقعات المجتمع.)
لكن المصيدة عندما يتحول القناع الى وجه وفي التحديات ينهار القناع وليست الهوية والدليل على ثبات الهوية هو الصراع النفسي العنيف بين قيم ومبادئ وثوابت تشكل الهوية وبين ظروف طارئة ولو تفككت الهوية لانتفت الحاجة الى صراع داخلي وحدث الانهيار. ومن علامات قوة الهوية عند البعض انه يمرض من صراعات وضغوط خارجية عنيفة فوق الاحتمال لكنه لا يستسلم وقد تولد من قلب هذا الصراع شخصية جديدة قوية وحازمة ورصينة.
ما يهتز في العواصف السياسية العنيفة والتحولات الاجتماعية ليست الهوية بل القناع الذي اعتاد على التعامل مع الأحداث بسهولة من خلال صوره النمطية وقواعده لكن في التحولات والتحديات العنيفة كالحرب والهجرة والمنفى ـــــــــــــــــــــ وهي العنوان المفضل للنقاد والروائيين ـــــــــــــــ في وصف أعمالهم، ما يهتز ويتفكك ليست الهوية بل القناع الذي يفشل في العثور على تسوية مع الواقع الجديد ويعاني من القلق ــــــــــــــــ ليس قلق الهوية ــــــــــــــــــــ ومن الاضطراب النفسي ــــــــــــــــ ليس عن تفكك الهوية ـــــــــــــــ بل عدم قدرة القناع الذي حل مكان الشخصية في مواجهة أحداث غير متوقعة وفي ظروف خارج الحسابات.
حسب كارل يونغ يتحول القناع الى “فخ نفسي” عندما يصبح هو الهوية الأصلية والوجه الحقيقي من كثرة العادة والتكرار لكنه يفشل في ظروف منعطف حاد على أن يقوم بدوره الجديد لذلك يضطرب لأن القناع ليس هو الهوية الحقيقية لمواجهة تحديات: ما يضطرب هو القناع.
قراءة الرواية العراقية من زاوية المنفى والهوية والاغتراب هي قراءة رغبية لأن الهوية لم تكن معروضة للشك والسؤال والقلق النفسي عند العراقي المنفي بل المعروض هو قضية الحرية والسلطة، وتفسير المنفى كمكان هو تفسير ناقص لأن المنفى هو أيضا استلاب وشعور واحاسيس وليس مكانا فحسب وكما يقول الناقد الفرنسي برنارت فاليت:( إن الروائي من لحظة حمل القلم يدخل في منفى) ، أي ان الاغتراب ليس مكاناً بل حالة روحية ونفسية.
إن العراقي يطرح سؤال الحرية في وطنه قبل المنفى ولا يعرض سؤال الهوية لأنها متجذرة وراسخة وما ينهار ليست الهوية بل البيرسونا أو القناع الذي قام بدور الشخصية في ظروف طبيعية لكنها لم تعد موجودة وهنا وقعت مشكلة: لا يستطيع القناع مواجهة التحديات الجديدة السابقة ولا تستطيع الهوية الاصلية مواجهتها بعد ان لعب القناع الدور الرئيس في مواجهة كل مشكلات الحياة وحتى الوضعيات العادية. الذي ينهار هو القناع الذي حلّ محل الأنا وفي الأزمات يعجز عن مواجهة التحدي لأنه ولد لأدوار في ظروف هادئة وفي الازمات ترك الأنا تواجه مصيرها.
وهنا يظهر القلق والانفصال والتشتت والضياع والخوف وكأنه قلق الهوية لكنه في الحقيقة قلق المصير بعد سقوط القناع الذي كان يخلق التوازن مع الواقع من خلال قواعد متفق عليها في ظروف عادية وهادئة وعند سقوط القناع او البيرسونا عليه ان يجد توازنا مع الواقع من خلال عناصر الشخصية. إما أن يحترق أو يضيء ويولد من جديد وحسب نيتشه” يجب أن يتجاوز نفسه ويتحطم, ليتخلص من قيوده وضعفه ويبتكر قيماً جديدة” .
فكرة تحطم الإنسان عند دوستويفسكي تعبر عن رؤية عميقة ترى” ان الألم والمعاناة والانهيار النفسي ليست مجرد شرور عبثية، بل هي مخاض إجباري لكي ينضج الوعي الإنساني ويصل المرء إلى جوهره” *.
إن ما قام به النقاد والروائيون هو بتلبيس حالات واوضاع من ثقافة مختلفة ومنطقة تفكير أخرى وهويات مضطربة أخرى على الواقع العراقي. اذن لا يمكن تفسير المأزق العراقي حسب تفسيرات هؤلاء في اضطراب وتفكك الهوية بل تفكك الأقنعة.
عملية تلبيس مفاهيم نقدية على نصوص مختلفة تماما أو على نصوص منتقاة وجاهزة للتلبيس ونفي الاخرى التي تعرضت لقضايا عراقية متشعبة ليس بينها سؤال الهوية، والمنفى فيها ليس مطروحا كتحد ثقافي او فكري أو معرفي أو نفسي ـــــــــــــــــــــ وقد عشناه لسنوات مع منفيين ــــــــــــــــ لكنه مطروح كتحد اخلاقي وسياسي واقتصادي والعراقي لا يطرح سؤال الهوية على نفسه في المنفى او في الوطن نظرا للاعتزاز المتعالي والشعور الزائف أحيانا بضخامة الهوية الى الدرجة التي تدفع حتى الشحاذ العراقي يغني مشيداً بأمجاد الأهل” هلي ما لبسوا خادم سملهم” يوم كان البدوي في زمن قريب يعزف على الربابة أمام الأبواب من أجل حفنة طحين أو ملابس فائضة.
الانسان في ظروف القمع والخوف وعدم الامان الطويل تولد فيه تعدد الشخصيات التي تصل بالعشرات حسب من يلتقي بهم والمناسبات للتحاشي ومع الوقت والتكرار تنحفر فيه هذه الشخصيات ويتنقل بينها بسلاسة كما يتنقل في غرف المنزل.
كل شخصية فيه لها لغة وهوية ومبادئ وتاريخ ولكل شخصية قناع خاص يختلف عن الآخر ولا تعرف باي رجل ترقص معه وفي ظروف خاصة او عامة عاصفة مزلزلة تسقط الاقنعة ومعها الهويات المزيفة ويجد نفسه وحيدا في عراء مكشوف ويعاني من كل انواع المشاعر السلبية الناتجة عن انهيار الاقنعة وليس الهوية الطبيعية التي في حالات كثيرة ملغية أو مدفونة من قبل الأقنعة.
في محرك البحث عناوين صاخبة وكثيرة عن جدل الهوية في الرواية العراقية، أو تشظي الهوية في الرواية العراقية، اشكالية الهوية في الرواية العراقية، مأزق الهوية في الرواية العراقية، تشظي الذات والسيولة في روايات فلان الفلاني الذي لا يفرق بين القناع وبين الهوية وكلها بلا استثناء عناوين متسرعة رغبية.
بل أطلق روائي “بياناً” تحت عنوان” الرواية العراقية الجديدة” مع انها لم تتجاوز مرحلتها التقليدية لكي تصل الى الحداثة وفي تصريح لصاحب الفكرة وهو كاتب خواطر انشائية مدرسية باهتة بعنوان رواية قال حرفياً:” الرواية العراقية مرت بمرحلتين فاصلتين من حيث البنية الفنية والمضامين: مرحلة ما قبل 2003 ومرحلة ما بعد 2003 ” هكذا يحدد تاريخ ولادة الرواية بمسطرة قبل وبعد بلغة السياسة.
بل أعلن انه” سيطلق ولادة تيار الرواية الجديدة” كما لو نحن في سباق مارثون وساعة اطلاق مع ان جماعة تيار الرواية الجديدة الفرنسية ـــــــــــ آلان روب غريبه، كلود سيمون، فرانسوا مورياك وميشيل بوتور وغيرهم ـــــــــــــــ لم يصدروا بياناً ورفضوا الانضمام تحت عنوان وتيار ” رواية جديدة” حفاظا على الاستقلالية لأن العمل الروائي نشاط فردي لكن ما يقوله صاحب مشروع الرواية الجديدة غير معني بذلك في عراق اليوم.
حسب هذه العقلية السطحية ما أن ” يطلق مشروع الرواية الجديدة” حتى ستتدفق الروايات كمشروع إروائي أو تجاري أو مشروع دواجن ومن خلال هذا الفهم الساذج للرواية الجديدة ــــــــــــــــ كمشروع ومؤسسة ــــــ بل وحتى القديمة نفهم كيف يفكر هذا النموذج. للطرافة منذ اعلان المشروع عام 2015 لم ينطلق المشروع لكنها حيل التفافية لتأكيد الذات والبحث عن مكانة وضخامة القناع موضوعنا الرئيس.
هناك عدة شهادات دكتوراة عن الرواية العراقية والهوية مثل” تحبيك الهويات الثقافية في الرواية العراقية” و” تمثلات الهوية في الرواية النسوية العراقية ، 2010 – 2017″ و” اشكالية الهوية في الرواية العراقية 1990 – 2011 ” ومقالات مثل” الهوية العراقية بين الاستلاب والتعددية في الخطاب الروائي” وصارت عبارة” الرواية والهوية” مغرية كاعلان دعائي عن فيلم سينمائي لكنها في الحقيقة لا تقول شيئاً بل تستعيد ما قيل.
هل مشكلة الشخصية العراقية في الرواية والواقع هي أزمة هوية حقاً أم قضية الحرية والاستلاب وغياب العدالة والكرامة والبحث عن المصير والحق في حياة كريمة؟ ام هو الخلط بين سقوط القناع وبين أزمة الذات في مواجهة تحديات وجودية مع بقاء الهوية ثابتة؟ أم أنها أزمة الكاتب نفسه وتعميمها على شخصياته التي تعاني من تهديدات مختلفة؟ قد يكون الانكسار الداخلي أحيانا ضرورياً لتحطم الأوهام ومواجهة الألم الناتج عن عنف التجربة بشجاعة. البرق يولد من الصاعقة.
إن شخصيات علي بدر وانعام كجه جي وعالية ممدوح ولطفية الدليمي وأحمد سعداوي وسنان أنطون وغيرهم التي قدمها النقاد على انها تعاني من تفكك واضطراب الهوية نتيجة لظروف قاهرة وقمع وخوف، لا تعاني من اهتزاز الهوية بل من سقوط الاقنعة، البيرسونا، في حين استطاع الروائي نجم والي تقديم شخصياته بلغة إنسيابية وعفوية وجمال بلا حذلقة لغوية ولا تقعر وتجاوز هذا الفخ والاطناب في موضوع الهوية الى الحديث عن المصير.
هناك خلط فظيع بين الإثنين، القناع والهوية، ومن غير الممكن معرفة اذا كان هؤلاء الكتّاب على وعي بهذا الخلط أم لا لأن هذه القضية تحتاج الى دراسة أعمق ومناخ ثقافي مفتوح.
ـــــــــــــــــ الصورة: من اليمين: ألان روب غرييه وناتالي ساروت وميشيل بوتور وكلود مورياك وصموئيل بيكت مؤلف: في انتظار غودو، وكلود سيمون،
وبعض هؤلاء حصل على نوبل مثل صموئيل بيكت وفرانسوا مورياك وكلود سيمون ورغم ان النقد الادبي وضعهم تحت عنوان” تيار الرواية الجديدة” لكنهم رفضوا التسمية لأن الأدب ليس مدرسة بقواعد موحدة ولكل كاتب طريقته الخاصة.
حاول بعض الكتاب العرب تقليد الموجة وفشلوا، استعاروا الاشكال الخارجية للرواية الجديدة دون هضم الخلفية الثقافية والنفسية والادبية خلفها،
وفي النهاية كفوا عن التقليد. ان ما يمنح العمل طابعه الجديد والحداثي ليست عناوين” تيار الرواية الجديدة” بل الانجاز وحده. حتى في الصورة كل واحد ينظر في اتجاه مختلف. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى