كتاب وشعراء

تكميم… بقلم: عائشة بريكات- سوريا

لا أحدَ يُخبرُ الماءَ أنهُ صارَ أكبرَ مائدةٍ في حياتي،
وأني لا أحملُ ضغينةً لمعدتي، فقد كانتْ مدينةً مزدحمةً، ثم استيقظتْ منذُ أيامٍ لتجدَ نفسَها قريةً تُجاهدُ لتعليمي كيفَ أحبُّها بيتاً بيتاً.

لم أكنْ شرهةً، فأنا أحبُّ الطعامَ كما يحبُّ الصيادونَ البحرَ، لا طمعاً بالتهامِ كلِّ ما فيهِ، بل لأنهم لا يُجيدونَ العيشَ بعيداً عنهُ.

لن تُصدقوني لو قلتُ: كنتُ أطهو كما لو أني أكتبُ سيرةً ذاتيةً.
ربيتُ أولادي بقسوةٍ مصطنعةٍ لأجنبهم الحفرَ التي وقعتُ فيها،
ولأني لا أُجيدُ الاعتذارَ، كنتُ أُصالحُهم بمائدةٍ عامرةٍ.

الأمُّ الشاعرةُ وجدتْ في الطبخِ طريقةً شهيةً لتأجيلِ انهيارِها حتى ينضجَ الأرزُ.
كلُّ وجبةٍ تُؤخرُ كارثةً،
وكلُّ رغيفٍ يُسندُ جداراً داخلَها قبلَ أن يسقطَ.

كانَ جميعُهم يعرفونَ مزاجي من رائحةِ البيتِ:
إن فاحتْ رائحةُ الثومِ من حلّةِ اليبرقِ عرفوا أني سامحتُ العالمَ،
وإن نضجتْ حباتُ الكبةِ وصارتْ ذهبيةً اطمأنوا أن الحزنَ لن ينامَ عندنا الليلةَ،
وإن طهوتُ البرغلَ بالبندورةِ فهموا أن أمَّهم تحتاجُ حضناً لكنها لا تُجيدُ طلبَهُ.

كانتِ القدورُ تناديني باسمي، وتتسعُ الملاعقُ في يدي كأنها وجدتْ لأقلبَ بها عالمي لا الحساءَ.

الآن…
أمرُّ بالمطبخِ كما يمرُّ رجلٌ على بيتِ طليقتهِ — لا ضغائنَ بيننا — لكنَّ الدخولَ لم يعدْ من حقي تماماً.

الفرنُ مازالَ يحتفظُ بضحكتي، رغمَ عدمِ تجرّؤي لمصارحتهِ بأنها لم تعدْ صالحةً لإشعالِهِ.

تحدثني البهاراتُ بلغتها الحارَّةِ، وأنا كعاملةِ متحفٍ أمرُّ قربَها، ومحظورٌ عليَّ لمسُ المعروضاتِ.

أقفُ أمامَ القدورِ، أطبخُ للعائلةِ التي ما خفتتْ شهيتُها،
أتذوقُ بعيني، وأضيفُ الملحَ بالذاكرةِ،
وكلما اشتقتُ لعائشةَ أكثرتُ من فرمِ البصلِ،
والغريبُ في الأمرِ أنِّي
أطعمُهم وأشبعُ.

لا أعرفُ ماذا فعلَ الجراحُ بالجزءِ الذي استؤصلَ مني،
أرجو ألا يكونَ قد رماهُ، ففيهِ وصفاتٌ لا تعرفُها الكتبُ.

الآن…
أجلسُ أمامَ كأسٍ صغيرةٍ وأتفاوضُ معها على هدنةٍ:
رشفةٌ… دقيقتا صمتٍ… رشفةٌ أخرى،
ثمَّ أُصغي إلى جسدي وهو يشرحُ لي
أن العجلةَ عادةٌ سيئةٌ اخترعها العطشُ،
ولو بكميةٍ لا تكفي لإغراقِ عصفورٍ.

في الليلِ أحلمُ أنِّي نسيتُ طبقَ الباذنجانِ المقليِّ على الطاولةِ لأني شبعتُ،
أصحو خائفةً أهرعُ إلى زجاجةِ الماءِ لأعتذرَ منها.

جلّ ما حدثَ…
أنِّي غيرتُ طريقتي القديمةَ في حبِّهم،
واخترعتُ أخرى بلغةٍ جديدةٍ لا تحتاجُ إلا لنصفِ كوبِ ماءٍ.

بقلم: عائشة بريكات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى