رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :سلطة الملف

من قال إن الملف مادة جامدة عليه قراءة كافكا أو في الأقل جاك ديريدا” حمى الأرشيف الفرويدي” حيث الكل تؤرشف للكل: شركات الطيران والمستشفيات ومكاتب السفر والعيادات والمخابرات والشرطة والاصدقاء والجيران ولا مكان للإختباء اليوم.
أو أقلاً، أقلاً، قراءة ما يُكتب عن ملفات الفساد في العراق كيف صار فساد فريق كوميديا سوداء وكيف تحول فساد فريق اخر الى ملف مسكوت عنه . الوطنية والعدالة أمران مترابطان كسبيكة الذهب: لا يمكن أن تكون وطنياً هنا وضد العدالة هناك.
كشف النائب الكردي غالب محمد عن ملفات فساد في الاقليم وقال محمد في تصريح: ( إن هيئة النزاهة الاتحادية مطالبة بتفعيل دورها الرقابي داخل إقليم كردستان، متسائلاً عن أسباب غياب إجراءاتها في متابعة ملفات الفساد، رغم وجود شبهات تتعلق بعدد من القطاعات الحيوية).
وأضاف أن “الفساد الموجود في إقليم كوردستان أكبر من الفساد الموجود في بقية العراق”، مشيراً إلى أن “المسؤولين في الإقليم يتمتعون بحصانة فعلية حتى إن الحكومة الاتحادية لا تستطيع ولا تجرؤ على محاسبتهم.”
كيف تجرأ هذا النائب في ” التجاوز ” على سلطة الأرشيف وكشف المسكوت عنه والذي لا يقال إلا همساً؟ بل كيف كشف لنا ان “المكتب” سلطة بالمعنى الحرفي للسلطة تمتلك قدرة العقاب والتخويف والترهيب بحيث لا يستطيع أحد الاقتراب منها لكي لا يقع فيما وقع فيه جوزيف. ك . في رواية المحاكمة؟
يقول ميلان كونديرا: ” كيف استطاع كافكا تحويل المكتب، هذه المادة الرمادية غير الشعرية الى روايات مذهلة ؟ نجد الجواب في رسالة كتبها كافكا الى ميلينا :
“المكتب ليس مؤسسة غبية، انه أقرب الى عالم الغرابة منه الى الغباء ” .
لكن أين تكمن غرابة المكتب؟ في روابط السلطة الخفية وروافدها الاجتماعية والسياسية وفي قدرتها على انتاج التفاصيل الهائلة وتحويل الكذب الى معرفة وطقوس واحتفالات ووعود زائفة.
كافكا نفسه لغز محير حتى اليوم رغم محاولات النصاب ماكس برود صديقه تشويه كافكا وصنع صورة سوداوية ملفقة وتحويله الى حاخام يهودي لان ماكس نفسه صهيوني واستغل عزلة كافكا عن النخبة الادبية واستغل وصية كافكا بحرق” بعض” مؤلفاته ومات مجهولاً لكن ماكس برود هو من خلق تلك الصورة السوداوية لكافكا وتلك أكبر كذبة في التاريخ الثقافي بتعبير مواطنه ميلان كونديرا الذي عرى ماكس برود في كتابين: خيانة الوصايا وفن الرواية.
في رواية المحاكمة لـــ كافكا، تتوضح اكثر سلطة الملف والمكتب الغامضة:
يتم إعتقال جوزيف. ك، من قبل شرطة في الصباح في يوم عادي، لا يعرف من هم وبتهمة لا يعرف عنها شيئاً، وخلال متاهة في أروقة محكمة كالحة وممرات موحشة،
يكتشف جوزيف القوة الخفية في المكتب تلك المادة الرمادية الجامدة،
ومع المكتب يكتشف الارشيف،
حيث السلطة تكمن في الأرشيف والملفات وحياة الفرد توجد في ملف وليس في حياة،
وما هو مدون في الملف الموضوع على الطاولة هو كل الفرد وكل الحقيقة،
والأرشفة لم تعد من اختصاص السلطة اليوم، وهذه طبيعة العقل المغلق كصناديق قديمة مغلقة متعفنة،
بل كل شخص يملك أرشيفاً خاصاً عن الاخرين كما لو انه احد ملائكة الكتفين، ولا يراه كما هو بل كما تخيله وصنع له صورة من خلال انحيازاته المسبقة وهذه البنية العقلية المغلقة المتعفنة ترى الحياة من منظار العطب المغبر ولا تعرف من هي فكيف تعرف الاخر؟
لا تستغرب مثلاً لو وجدت نفسك محفوظا في ذاكرة ما بكود أو رمز للحفظ في موقف أو حادثة قبل نصف قرن كما لو انك لم تعش في حياة بل كنت مقيما في ملف متعفن في عقل مغلق يلغي كل حياتك وعصرك وتحولاتك كما لو انها لم تحدث لان الملف اهم من الحياة. ألم تسمع يوما عبارة رجال الامن” وهل يكذب الملف؟”.
العقل المغلق يعطي لكل واحد كودا للحفظ ما ان يضغط عليه حتى يحضر الملف في حين الانسان في مكان اخر وفي تحولات من اليقظة حتى النوم ومن الولادة حتى الموت،
كما لو ان الناس ملفات في مخازن وأدراج وليسوا في حياة،
فسرقوا وظيفة الاجهزة الامنية وسرقوا وظيفة الرب في المراقبة والعقاب:
أنت لست أنت بل توجد محنطاً في أرشيف أو في ذاكرة أحد ما أو ملف أو خزانة وعندما تحضر لا تحضر أنت بل الأرشيف.
في اليوم الأخير يحضر جوزيف ويطلب منه القاضي أن يؤدي القسم وعندما القى جوزيف نظرة على المكتب قرأ عنوان كتاب عن الحياة الجنسية على طاولة القضاة.
يؤخذ جوزيف .ك. الى مكان وعبر نافذة سيارة البوليس يرى الحياة في شوارع براغ عادية ثم يُعدم دون أن يعرف لماذا. قال عبارته الأخيرة” مات مثل كلب” وهو يطعن بالسكين من رجلين غامضين.
لماذا يجب أن يعرف لماذا؟ السلطة، سواء سلطة جماعة أو فرد أو نظام، في كل مكان تحول الانسان الى شيء، وعندما تقوم بتحطيم كرسي أو تفكيك دراجة أو هاتف،
لا تشعر بالتعاطف معه بل المتعة والتلذذ. وذلك هو التشيؤ reification تحويل العلاقات الانسانية الى علاقات ميكانيكية بلا ندم ومشاعر ذنب ولا اعتراف بخطأ لأن الجزء الجوهري في المنحرف غائب أو ميت: الضمير.
لقد أنتج لنا السياسي اللص الكاتب الحكواتي المختص بسرديات ملفات اللصوص لكن ليست أية ملفات بل تلك التي على” الشاطئ الآخر” والتغليس على فساد طرف قريب، وليس المثقف الكاتب المستشرف للمستقبل لانه يجهله، وقد يكون السبب انه قرأ ” محاكمة” كافكا ويخاف أن يموت مثل جوزيف.ك. على يد سلطة الملف. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى