
ماذا قال لي غينادي ياناييف؟
لم يألف مشاهدو القناة التلفزيونية الرسمية في الاتحاد السوفيتي أن تُعرض في الصباح رقصات باليه؛ لكن باليه بيتر إليتش تشايكوفسكي «بحيرة البجع» أيقظ سكان الإمبراطورية السوفيتية، وقد بانت عليها في الشهور الأخيرة علامات الوهن، وليس حيوية راقصي الباليه الأكثر إبهاراً في العالم.
ترمز البجعة في الثقافات المختلفة إلى الحب الأبدي والوفاء الشديد؛ فهذا الطائر يختار شريكاً واحداً طوال حياته.
ومن غير المعروف فيما إذا كانت قيادة الانقلاب على غورباتشوف اختارت عن عمد «بحيرة البجع» مقدمةً لإعلان تنحيته «مؤقتاً» عن السلطة «لأسباب صحية»، وتسليم السلطة إلى «لجنة طوارئ» يتزعمها نائب الرئيس غينادي ياناييف، الذي عقد مع بقية أعضاء اللجنة مؤتمراً صحفياً بعد ظهر يوم 19 آب/أغسطس 1991، وكان مرتبكاً مرتجف اليدين.
أتيحت لي فرصة إجراء مقابلة مطولة مع ياناييف، الذي أطلقنا عليه نحن الصحفيين العرب المعتمدين في موسكو لقب «يا نايم»، بعد أن اتضح أنه تورط في الانقلاب ولم يكن من المخططين له.
روى لي ياناييف، على مدى جلسات طويلة، تفاصيل ما جرى، ونشرت الأحاديث معه على حلقات في صحيفة «الرأي» الأردنية، وآمل من المتابعين العثور على أعدادها في زمن ما قبل الإنترنت.
قال لي ياناييف (1937-2010) إنه بعد انتهاء الدوام الرسمي في «الساحة القديمة»، مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، وكان عضواً في مكتبها السياسي ونائباً لرئيس الدولة، توجه إلى البيت الريفي بضواحي موسكو، وفي الطريق عرّج على صديق له كان قد طلب منه دواءً لزوجته مفقوداً في الصيدليات، لكنه متوفر في مستشفى اللجنة المركزية.
أصر الصديق على أن يستضيف ياناييف، وأولم له على الطريقة الروسية؛ يقول:
«كرعنا كأساً، ثم كأسين، فثلاثة، وأخذتنا الأحاديث والنكات».
بعد نحو ساعة، وحين كنت أهمّ بالاستئذان والمغادرة، جاء مرافقي مهرولاً وقال لي إن «الرفيق فلاديمير ألكسندروفيتش كريوتشكوف على خط الهاتف الخاص في السيارة»، فهرعت فوراً، وسمعته يطلب عودتي إلى «الساحة القديمة» «دون إبطاء».
«لم يخطر ببالي يوماً أن أتلقى اتصالاً عاجلاً من رئيس جهاز أمن الدولة كريوتشكوف، إذ المعروف أنه على صلة مباشرة فقط مع الرئيس، وخلال طريق العودة استغرقت في محاولة معرفة سبب الاستدعاء».
بعد نصف ساعة، وصل ياناييف إلى مبنى اللجنة المركزية، ليسمع من أعضاء لجنة الطوارئ تكليفه بإدارة شؤون الدولة مؤقتاً، وأن غورباتشوف سيذهب في إجازة مرضية.
قبلها بيوم واحد، في 18 آب/أغسطس، طار عدد من كبار المسؤولين إلى غورباتشوف في مقر إقامته الصيفي في فوروس بالقرم، وطالبوه بالتراجع عن معاهدة الاتحاد الجديدة أو إعلان حالة الطوارئ. لكنه رفض، فقُطعت عنه الاتصالات الخارجية، ووُضع فعلياً تحت الإقامة الجبرية.
وفي موسكو، تشكلت لجنة الدولة للطوارئ، وضمت نائب الرئيس غينادي ياناييف، دون علمه، ورئيس الوزراء فالنتين بافلوف، ووزير الدفاع دميتري يازوف، ورئيس الـ«كي جي بي» فلاديمير كريوتشكوف، وغيرهم.
سألت ياناييف:
لماذا كنتم مضطربين إلى حد الارتجاف في المؤتمر الصحفي، وقد أعلنتم خلاله تشكيل لجنة الدولة للطوارئ؟
يعترف بأنه كان ثملاً في الليلة السابقة، وأنه بالكاد استفاق من النوم، وكان قلقاً من نتائج قرار خطير لم يكن يعلم به، وأنه كان ضحية مؤامرة أحيكت ضد غورباتشوف، غير محسوبة النتائج، على الرغم من أنه لم يكن راضياً عن بعض سياسات الرئيس السوفيتي، ولديه ملاحظات على الاتفاقية المزمعة للاتحاد الجديد.
بعدها تسارعت الأحداث.
أُعلنت حالة الطوارئ في بعض أنحاء البلاد، ودخلت الدبابات والقوات المدرعة موسكو، واتخذت مواقع حول المنشآت الحكومية والمراكز الاستراتيجية.
وصل بوريس يلتسين إلى مبنى البرلمان الروسي، المعروف باسم «البيت الأبيض»، واعتلى دبابة أمام المبنى، وأعلن أن الانقلاب غير دستوري، ودعا الجيش والشعب إلى مقاومته.
احتشد آلاف الأشخاص حول «البيت الأبيض» لحمايته. وبدأت وحدات عسكرية بالتردد في تنفيذ أوامر لجنة الطوارئ، وظهرت مؤشرات على أن الجيش لن يضمن بقاء الانقلابيين في السلطة. وفي الليل، وقع اشتباك قرب نفق في موسكو أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين.
حينها كنت أتنقل بين «البيت الأبيض» والشارع القريب، ولاحظت أن عدداً من الوكالات الدولية، بينها «سي إن إن»، تنصب الكاميرات فوق النفق إياه، وكأنها كانت تنتظر حدثاً ما!
لا أريد الخوض في «نظرية المؤامرة»، لكن الواضح أن أحداً ما أراد نزيف دم لتلطيخ شرعية قيادة الطوارئ. والأغرب أن الشبان الثلاثة الذين دهستهم الدبابة أمامنا كانوا:
أحدهم روسياً، والآخر تترياً، والثالث يهودياً. وكأن الموت انتقاهم بناءً على التنوع العرقي في الاتحاد السوفيتي.
كان بعض قادة الانقلاب يبحثون في إمكانية اقتحام «البيت الأبيض»، لكن القيادة العسكرية لم تكن موحدة حول استخدام القوة.
في يوم 21 آب/أغسطس، غادرت وحدات عسكرية كثيرة موسكو، وفقدت لجنة الطوارئ السيطرة على الأحداث.
فعاد غورباتشوف إلى موسكو من فوروس، وأُلقي القبض على عدد من قادة الانقلاب.
أعلن يلتسين انتصاره السياسي، وأصبح مركز الثقل ينتقل بسرعة من مؤسسات الاتحاد السوفيتي إلى مؤسسات روسيا، وصولاً إلى تفكك الدولة العظمى التي لم توفر الدواء لكل مواطن؛ تمنع حرية التعبير وتشرد المثقفين وتفرض الحظر على الأدباء المعارضين للحزب القائد ونائب رئيس الدولة يُجبر على ترؤس لجنة طوارئ دون أن يُبلّغ مسبقاً بأهدافها؛ وشارع انفجر بتظاهرات حاشدة مؤيداً ليلتسين، المنشق عن الحزب الشيوعي، الذي لم يخرج أحد من أعضائه، البالغ تعدادهم آنذاك زهاء 20 مليون منتسب، الأمر الذي استدعى أن أخترق الجموع بسيارتي، وتحمل لوحة مراسل أجنبي، لإخراج أحد العاملين في قسم الشرق الأوسط باللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي من مبنى اللجنة، وقد أحاطته حشود تهتف بسقوط الحزب، والشرر يتطاير من عيون بعضهم.
كان محارب قديم كهل يحمل أوسمة الانتصار على النازية، وحيداً بين الحشد العدائي، يهتف باسم لينين وستالين. التقطته من بين الجموع، وكان بعضهم يهمّ بإهانته.
«يا عم.. لا تنده، ما في حدا!»