كتاب وشعراء

الفنتازيا الإسلامية تعريف وتنظير …..بقلم فراس حج محمد| فلسطين

أعلن في هذه الكتابة ولادة مصطلح “الفنتازيا الإسلامية”، وقد خصصت له كتاباً كاملاً لشرح المفهوم، وتوضيح أسسه ومنطلقاته، وسأوجز شيئاً من ذلك في هذه الوقفة القصيرة على أن يكون الكتاب متاحاً قريباً جداً بعون الله.
تعد عملية تحويل الغيب من حيز الاعتقاد اليقيني إلى مادة سردية خام ضرورة استراتيجية قصوى للمؤلف العربي المعاصر؛ فهي الأداة التي تمكّنه من بناء عوالم تخيلية تمتلك عمقاً فلسفياً يتفوق على الأنماط الفنتازية العالمية الجاهزة، إن هذا التوجه لا يهدف إلى الهروب من الواقع، بل يسعى منهجياً إلى سد الفجوة بين الواقع المعيش والمثال المنشود في عالم الغيب، عبر تأسيس فضاء فني يتحرك فيه الخيال المطلق دون فك الارتباط بالجذور المعرفية للهوية الثقافية.
ويمكن صياغة تعريف مختصر للفنتازيا الإسلامية، كما جاء في الكتاب “الفنتازيا الإسلامية- ميتافيزيقيا السرد الإسلامي” بأنها: “صياغة فنية مبتكرة تتجاوز حدود الحاضر الفيزيائي لتؤسس لعوالم ورؤى كونية تنطلق من الميتافيزيقيا الإسلامية”، فهي-إذن- ليست استدعاء لقصص خرافية، بل هي جهاز سردي متكامل يعيد هندسة المدركات الغيبية في قالب فني يتسم بالدهشة والسيادة المعرفية، وتختلف على أية حال عن قصص الأسطورة أو قصص ألف ليلة وليلة، وقصص السِّيَر الشعبية، ولا تقع هذه الأنواع ضمن دائرة التعريف السابق للاختلاف البنيوي بينها وبين سرود الفنتازيا الإسلامية.
وتكمن المفارقة الجوهرية بين الفنتازيا الغربية- كما حللتها مثلاً “تي. إي. أبتر” في كتاب “أدب الفنتازيا مدخل إلى الواقع (الطبعة العربية ترجمة صبّار سعدون السعدون، 1989)- والفنتازيا الإسلامية كما أطرحها في علاقة السرد بالقوانين الكونية، ويمكن استعراضها وفق الرؤية الاستراتيجية الآتية:
استبدال القوانين لا تحطيمها: بينما تنزع الفنتازيا الغربية نحو تحطيم القوانين الفيزيائية لخلق وَهْمٍ صرف، تقوم الفنتازيا الإسلامية باستبدال القوانين الأرضية المحدودة بقوانين عليا ثابتة مستمدة من اليقين الغيبي.
الارتباط باليقين: الفنتازيا الإسلامية تظل ذات ارتباط وثيق باليقين حتى في أقصى حالات خيالها؛ فالعجائبي فيها ليس مستحيلاً في المنطق الإيماني، بل هو حقيقة ميتافيزيقية لم تُدرك بالحواس بعد، لكنها ذات أثر عقَدي راسخ في نفوس المؤمنين بها.
السيادة السردية: الفنتازيا الغربية توظف اللا معقول لاستكشاف النفس والواقع، بينما تعمل الفنتازيا الإسلامية كفعل استرداد للذات السردية العربية، وربط الكائن البشري بمصيره الكلي عبر منطق الحقيقة، فهي طريقة من أجل ربط العالم الدنيوي بالعالم الأخروي ربطا إيمانياً بتوظيف الخيال الفعّال.
هذا التأسيس المفاهيمي يحتّم عليّ الانتقال نحو التمييز الاستراتيجي بين هذا الفن وبين الأنماط الأسطورية والتبعية النقدية للغرب.
إن الفصل الحازم بين الأسطورة و”الفنتازيا الإسلامية” هو خطوة دفاعية لحماية أصالة المنتج السردي العربي من التبعية النقدية للمركزية الغربية، التي تصنف كل خارق للعادة بأنه خرافة، بل إن استقلال هذا الفن يمنح المؤلف سيادة سردية كاملة، تمكنه من الانطلاق من حقائق تراثه كبنية صلبة للخيال المطلق.
إن تبني مفهوم العظمة والتوهم كبدائل إبداعية للنماذج الغربية هو جوهر التميز؛ فالعظمة- كما حللها كمال أبو ديب- هي بنية نصية تقوم على تضخيم المدرك الحسي ليصل إلى مستوى الإعجاز، وهو تكنيك تقني يتفوق على الوحشية الغربية بصدقه المعرفي وقدرته على تجسيم الغيب، مما يمهد الطريق لاستلهام النماذج التراثية الكبرى.
تمثل العودة لنصوص مثل كتاب التوهم للحارث المحاسبي والمنامات لابن أبي الدنيا وأحاديث الموت وعذاب القبر مختبراً تقنياً للمؤلف المعاصر، حيث تقدم هذه النصوص سروداً ناجزة لبناء فنتازيا إسلامية تتجاوز الحواس الفيزيائية، وتفتح الباب واسعاً للاستفادة منها في سرود معاصرة تتخذ المنطق نفسه.
يبرز المحاسبي كأستاذ في تجاوز الحواس عبر قدرته الفائقة على تجسيم المعاني المجردة، إنه يحول الميزان، والسراط، وزحام المحشر، وضجيج الميتافيزيقيا إلى مشاهد حسية مؤثّرة، ويجب على المؤلف توظيف هذه الحقيقة الميتافيزيقية لخلق صدمة فنية إيجابية، حيث يتحول النص إلى تجربة سينمائية للآخرة تضع القارئ في قلب الواقع الغيبي.
في حين يقدم كتاب المنامات مفهوم البرزخ كمساحة زمانية ومكانية مرنة تتيح للمؤلف تحطيم قوانين الفيزياء السائدة، هنا، يمكن للأرواح أن تلتقي عبر مسافات شاسعة في لمح البصر بمجرد الهمّ أو القصد، هذه المنهجية هي خارطة الطريق لبناء عوالم ما بعد الموت كعالم مفتوح يخضع لقوانين الروح لا المادة، قوانين تتغيا الاستقامة لا إشاعة العبثية وتحطيم اليقينيات العقدية كما يمكن أن يفهم من سرود الفنتازيا الغربية، وإن استيعاب هذه الأصول يمنح المؤلف القدرة على تشييد معمار سردي متماسك للعوالم التخيلية.
يتحقق نجاح العالم الفنتازي بابتكار منطق داخلي صارم يستند إلى الرؤية الكونية الإسلامية؛ فالمصداقية الفنية تنبع من ثبات القوانين الغيبية داخل النص؛ فإذا كان الانتقال يتم عبر الرغبة الروحية، يجب أن يظل هذا القانون ثابتاً لا ينكسر.
يجب استبدال بالمنطق الفيزيائي منطق الحقيقة، ففي هذا المعمار، لا يسير الزمان بخطية أرضية؛ فقد تتمدد اللحظة لتستوعب حيوات كاملة، وتتقلص المسافات الشاسعة لتصبح خطوة روحية واحدة، هذا التلاعب التقني يفتح آفاقاً لابتكار عوالم سردية بفضاءات زمكانية تتجاوز قيود المادة.
إن وجود شخصيات الملائكة، والروح، وكائنات النعيم، والعذاب تبدو كيانات فاعلة تتجاوز التنميط التقليدي، ويكمن التحدي في وجودها في تبني جماليات الرهبة والجلال؛ أي الابتعاد عن التفاصيل الحسية الفجة الموجودة في الفنتازيا الغربية، واستبدالها بتسامٍ معجمي يصف التجربة الروحية والذهنية للذة أو الألم، مما يمنح النص وقاراً فنياً وعمقاً ميتافيزيقياً.
هذا المعمار يتطلب أدوات تقنية وجمالية محترفة لتحويله من فكرة إلى نص نابض، فعلى المؤلف المحترف تبني لغة سردية متعالية تجسد المواقف الميتافيزيقية دون الوقوع في فخ التقريرية الوعظية؛ فالهدف المشترك هو صناعة المتعة مع تقديم الدروس دون أن يطغى أحد شقيْ هذا الهدف على الآخر.
وبناءً على ذلك، تبرز قاعدتان مهمتان لم ينتبه لهما الدارسون السابقون لتلك السرود المنتمية لهذا المفهوم الجديد “الفنتازيا الإسلامية”، الأولى: العدالة الغيبية كذروة سردية، فالعدالة في هذا المقام ليست نهاية سعيدة تقليدية، بل إعادة ضبط للنظام الكوني داخل النص، حيث يستعيد العالم توازنه المفقود وفق ميزان الحق المطلق، وأما الأخرى فتقول: ابتكر صراعاتك من خلال دمج الترهيب والترغيب كعناصر درامية تحرك الأفعال، وتزيد من حدة الصراع الإنساني، ما يرفع من قيمة العمل الفنية ويجعله منافساً استراتيجياً، وهذه رؤية فيها القدر الكبير من الروائية الحيوية التي يطمح إلى وجودها الروائيون، ويبحث عنها كتّاب السيناريو، وصًنّاع الأفلام، تحقيقا للتشويق المطلوب، وهذه كلها توفّرها سرود الفنتازيا الإسلامية بصور ومناخات جديدة ومبتكرة، وتؤدي أهدافها على أكمل وجه، بفاعلية أكبر متسقة مع بيئتها أكثر من الاستعارات الغربية التي لا تساهم إلا بتوسيع المسافة بين المزاج الشعبي العام وبين تلك الأعمال التي على ما يبدو لها الكثير من الآثار السلبية في التوجهات والسلوكيات وبناء الأفكار لدى الأجيال القارئة أو المتابعة.
إن بزوغ موجة جديدة من الفنتازيا الإسلامية الأصيلة هو فعل تحرر للمخيلة العربية من قوالب المركزية الغربية، وهو ما سيعزز السيادة الثقافية التي تؤسس للسيادة السياسية، ويقدم للعالم نموذجاً سردياً يتسم بالابتكار التقني والعمق الروحي، مبنيّ على هذه المنطلقات:
الأصالة المعرفية: الانطلاق من فهم عميق للميتافيزيقيا الإسلامية كبنية معرفية، لا كقشرة وعظية، تتحكم بمنطق الحياة نفسه وتوجّهه بناء على فكرة كلية شاملة.
الابتكار التقني: تحطيم القوالب التقليدية، وتوظيف البرزخ والتوهم كمساحات لبناء عوالم مفتوحة تخضع لمنطق غيبي متعدد في رؤاه، وإن كان ثابتاً في منطقيته التي يستند عليها.
الجاذبية الجماهيرية: تقديم قصص تمس الجوهر الإنساني وتخاطب الخيال المطلق المرتبط باليقين، وتخاطب الإنسان، كونه إنساناً مجرّداً من بعدي الظرفية- زمانيا ومكانياً- والبعد الثقافي، لأنها تعود في الإنسان حيث النشأة الأولى.
إن الفنتازيا الإسلامية بوصفها نوعا أدبياً جديداً تسعى لأن ينتبه إليه الباحثون والكتّاب التخييليين، من أجل استرداد الذات السردية العربية؛ إنها المسار الاستراتيجي نحو مستقبل سردي يستعيد فيه المبدع العربي سلطته على الخيال، ليصنع عوالم تليق بعظمة موروثه وقوة يقينه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى