
كانت الزيارة منذ أكثر من ١٥ عامًا، في أحد المؤتمرات العلمية، لإلقاء بحثٍ كنتُ قد أعددتُه، وكان يرافقني أساتذة من أقطار عربية شتّى، استقبلنا الطلاب استقبالًا لم يكن من جنس الاستقبالات التي تُؤدَّى باليد واللسان، ثم تنقضي بانقضاء اللحظة؛ بل كان استقبالًا يفيض عن حدود المجاملة، ويتجاوز آداب الضيافة، حتى خُيِّل إليَّ أنهم لم يكونوا يرون فينا أشخاصًا جئنا من بلادٍ بعيدة، وإنما كانوا يرون فينا بقايا صورةٍ عزيزة، وأثرًا حيًّا من زمنٍ يحبونه، وسلالةَ لغةٍ نزل بها الوحي، وأحبّةَ رسول الله ﷺ وذريته.
كانوا ينظرون إلينا نظر من عثر على شيءٍ من ماضيه في حاضرٍ غريب، أو ظفر برسالةٍ طال انتظاره لها، أو رأى أمامه واحدًا من أبناء رجلٍ عظيم طالما أحبَّه وأجَلَّه.
وكان في عيونهم من التوقير ما جعلني أتأمل الأمر طويلًا، وأسأل نفسي: ما الذي يراه هؤلاء فينا؟ أيرون أشخاصنا؟ أم يرون وراء أشخاصنا شيئًا آخر؟ أيرون اللغة التي نتحدث بها؟ أم يرون الأمة التي حملت هذه اللغة، والدين الذي حفظها، والتاريخ الذي أودعها أسراره، والقرآن الذي منحها خلودها؟
ثم خطر لي مثلٌ قريبٌ من القلب.
تخيّل أن إنسانًا عزيزًا عليك، جليل القدر في نفسك، مشهورًا بالعلم والفضل والجمال، قد أرسل إليك واحدًا من أبنائه. ماذا كنت صانعًا به؟
كنت ستفرح به فرحًا لا يملك القلب معه إلا أن يفتح أبوابه كلها. كنت ستتأمله طويلًا، وتستمع إلى حديثه، وتراقب حركاته، وتبحث في ملامحه عن أبيه، وفي كلماته عن منطقه، وفي أخلاقه عن أثر تربيته. كنت ستراه قريبًا من ذلك الذي تحب، وستتعامل معه لا لشخصه وحده، بل لما يحمله من صلةٍ بمن تحب.
ولعلّك كنت ستغفر له كثيرًا من النقص؛ لأنك لا تراه فردًا مستقلًّا، بل تراه امتدادًا لذلك الغائب الحاضر في قلبك.
ولكن ماذا لو طال تأملك، ثم فوجئت بأن هذا الابن لا يشبه أباه؟
لا يتحدث بحديثه، ولا يحمل منطقه، ولا يعرف طريقته، ولا ينهض بأخلاقه، بل ربما كان في بعض خصاله أبعد الناس عنه، وأشدهم مخالفةً له. ماذا كنت تصنع؟ وأيُّ خيبةٍ كانت ستنزل بقلبك؟ وأيُّ حزنٍ كان سيغلب فرحتك؟
بل لعلّك كنت ستشعر، في لحظةٍ مؤلمة، أنك أنت أقرب إلى ذلك الأب الذي تحبه من ابنه الذي جاءك باسمه.
تلك هي الصدمة التي لمحتها في عيون أولئك الطلاب.
فبعد أن استقبلونا بتلك الروح، تغيّرت نظرتهم إلى كثيرٍ ممن كانوا معنا، وتبدّلت معاييرهم، وانطفأ شيءٌ من ذلك الإعجاب الأول؛ إلا معي. فتعجبت، وسألتهم في صراحة: ماذا حدث؟ ولماذا تغيّر كل شيء؟
فقالوا، وفي أصواتهم غضبٌ ممزوجٌ بالحزن:
لديكم أجمل اللغات، ولا تتحدثون بها. ولديكم علمٌ كثير، ولا تنتفعون به. وتنتسبون إلى دينٍ عظيم، ثم تأتي سلوكيات بعضكم على خلاف ما يقتضيه هذا الدين. ولديكم فرصٌ واسعة للعمل والعطاء، ثم تتركونها تضيع من بين أيديكم.
لم يكن كلامهم طعنًا في اللغة وحدها، ولا عتابًا على طريقة الكلام فحسب؛ كان عتابًا على إنسانٍ حمل ميراثًا عظيمًا، ثم لم يعرف قدره، أو عرفه ولم يؤدِّ حقه.
فحزنت لحزنهم؛ لأن قضيتهم كانت قضيتي قبل أن أراهم، ولأنني شعرت أن ما يقولونه لم يكن جديدًا عليّ، وإنما كان صوتًا خارجيًّا يوقظ في داخلي صوتًا قديمًا.
كنت أكره أن أتحدث بغير العربية إلا مضطرة، لا تعصبًا للفظٍ دون معنى، ولا ازدراءً للغات الناس، ولكن لأنني كنت أشعر أن العربية ليست ثوبًا أخلعه متى شئت، ولا أداةً أستعملها حين تنفعني ثم أتركها حين لا أحتاج إليها. كانت عندي بيتًا أسكنه، وذاكرةً أعيش فيها، وطريقًا أمضي به إلى ديني، ومرآةً أرى فيها شيئًا من نفسي.
كنت أحرص على أن أتحدث العربية الحديثة المفصحة على الأقل؛ لأنها في نظري ليست لغة الكتب وحدها، ولا لغة المنابر والمناسبات، بل لغة العقل حين يستقيم، والذوق حين يرقى، والفكرة حين تتضح، والروح حين تبحث عن أصفى ما فيها.
وكان بعض الناس يسمونني: الدرويشة، أو «بتاعة القرآن»، أو التي جاءت من كوكبٍ آخر، أو «أمّي الصغيرة».
وكان من يناديني بهذا اللقب الأخير أساتذة كبارًا في السن والمقام، تجاوز بعضهم الثمانين، بينما كنت يومئذٍ في أواخر الثلاثينيات، ومنهم أستاذنا الدكتور كمال بشر، رحمه الله.
وكان بعضهم يقول لي ضاحكًا:
يا أنتِ… أنتِ قديمةٌ جدًّا!
فأبتسم، ولا أجد في الوصف ما يزعجني. نعم، قد أكون قديمةً في زمنٍ يظن أن كل قديمٍ ينبغي أن يُلقى في زاوية النسيان، ولكنني كنت أرى أن في الحياة أشياء لا يحق للزمن أن يبدّلها، ولا للتجديد أن يطمسها، ولا للموضة أن تسخر منها.
فليس كل ما مضى قديمًا، وليس كل ما استحدثناه جديدًا بالضرورة. قد يكون القديم أصلًا، ويكون الجديد قشرةً عابرة. وقد تكون المحافظة على بعض الأشياء تقدّمًا حقيقيًّا، إذا كانت تلك الأشياء هي التي تحفظ للإنسان عقله، ولسانه، وضميره، وصلته بماضيه.
ولم أكن أرى العربية مجرد وسيلةٍ للتواصل بين الناس؛ فالوسائل تُستبدل، أما الهويات فلا تُستبدل من غير أن يُستبدل أصحابها.
كانت العربية عندي أكثر من لغة؛ كانت وطنًا لا تحدّه الجغرافيا، وأمًّا لا يهرم حضنها، ونهرًا جرت فيه أصوات الأجداد، وتركوا على ضفتيه آثارهم وصلواتهم وأشعارهم وعلومهم.
كانت لُغَتِي هُوِيَّتِي؛ لأنني إذا فقدت لغتي فقدت الاسم الذي أعرف به نفسي، والصوت الذي أميز به روحي من أصوات الآخرين.
وكانت لُغَتِي قِيمَتِي؛ لأن الإنسان لا يُقاس بما يملك من ألفاظ، بل بما تحمله ألفاظه من معنى، وما تكشفه لغته من احترامه لعقله ولمن يخاطبه.
وكانت لُغَتِي مَدْخَلِي إِلَى دِينِي؛ ففيها نزل القرآن، وبها جاءت السنة، ومن خلالها فهمت أول الطريق إلى ربي.
وكانت لُغَتِي ذَاكِرَتِي وَتُرَاثِي؛ ففي كلماتها أصوات الأمهات، وحكمة الآباء، ودموع المصلين، وأناشيد الطفولة، وكتب العلماء، وخطى الذين سبقونا ثم تركوا لنا نورًا نهتدي به.
وكانت لُغَتِي جِسْرِي إِلَى قُرْآنِي؛ كلما اقتربت منها اقتربت من كتاب الله، وكلما ذقت أسرارها انفتح لي من جمال القرآن بابٌ جديد.
وكانت لُغَتِي أَدَاتِي فِي عِلْمِي؛ بها أفكر، وأبحث، وأعلّم، وأحاور، وأحاول أن أضيف لبنةً صغيرة إلى بناءٍ عظيم شاده السابقون.
وكانت لُغَتِي مَسْؤُولِيَّةً أَحْمِلُهَا؛ لأن من عرف فضل اللغة ثم هان عليه شأنها، فقد عرف الأمانة ثم فرّط فيها.
وكانت لُغَتِي أَمَانَةً أُرِيدُ أَنْ أُسَلِّمَهَا أَجْمَلَ مِمَّا تَسَلَّمْتُهَا؛ لا أريد أن أكون حلقةً ضعيفةً في سلسلةٍ طويلة، ولا أن يصل من بعدي إلى أبنائي وطلابي لسانٌ مكسور، أو معنى مبتور، أو صلةٌ واهية بميراثهم.
ولهذا لم يكن حديث أولئك الطلاب عن اللغة ملاحظةً عابرة، ولا اعتراضًا على لهجةٍ أو أسلوب؛ كان سؤالًا عميقًا عن الإنسان الذي يحمل اللغة ولا يعيش بها، وينتسب إلى الدين ولا يظهر أثره في سلوكه، ويمتلك العلم ولا يحوّله إلى عمل، ويرث المجد ثم يكتفي بأن يذكر أنه وارثه.
لقد رأوا فينا امتدادًا لمن يحبون، فلما لم يجدوا في بعضنا ما توقعوه، كانت صدمتهم أكبر من صدمة اختلافٍ في النطق أو السلوك. كانوا ينتظرون أن يروا فينا شيئًا من ذلك الزمن الذي أحبوه، فإذا بهم يرون أسماءً بلا آثار، وألسنةً بلا فصاحة، وشهاداتٍ بلا رسالة، وانتسابًا لا يثمر في الحياة.
ومنذ ذلك اليوم ازددت يقينًا بأن الإنسان لا يحمل هويته في جواز سفر، ولا في لقبٍ علمي، ولا في انتسابٍ يردده بلسانه، وإنما يحملها فيما يتحدث به، ويؤمن به، ويعمل به، ويتركه بعده أثرًا يدل عليه.
فاللغة التي لا تسكن السلوك تظل صوتًا، والدين الذي لا يظهر في الخُلُق يظل دعوى، والعلم الذي لا ينفع الناس يظل حملًا على صاحبه.
أما اللغة الحية، فهي التي تتحول في صاحبها إلى عقلٍ أصفى، وخلقٍ أكرم، وعملٍ أنفع، ووفاءٍ أصدق.
اللهم احفظ لساني بها، واحفظ قلبي بقرآني، واجعل علمي نافعًا، وعملي صادقًا، واجعلني جديرةً بهذه اللغة التي حملت كتابك، وبالأمانة التي وصلتني عبر أجيالٍ من العلماء والمحبين، واجعل هويتي ثابتةً ما دمت حية، واجعلني أتركها لمن بعدي أكثر إشراقًا مما وجدتها.