قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ: “تحتَ جرحِ غيمةٍ” للأديبةِ القديرةِ: مي عساف.. بقلم الناقدة: ليلى صليبي

((تحت جرح غيمة))
بعد فوات الحلم..
و بتر أصابع آخر أمنية
في جيوب نهرٍ عجوز
وبعد نزف جراحٍ فاض دمُها
على السطور بنصل حرفٍ
ومدية كلمة ..
كنتُ الحالمة الأخيرة
التي شُوهدت تحت شجرة يقطين
فوق جزيرة النجاة
مبللة بندى الصبر
فأنا الناجية الوحيدة
(بسرّ المشيئة)
لم يتسنَّ لي معرفة أسماء العابرين
إلى الموت بمراكب الوهم
كما أنّي لم أحفظ وجوهَ القراصنة
وقطّاع سفن الأحلام
لكني حفظتُ
عن ظهر خوف
كلَّ ما فعلوه بالموج
وبالأشرعة..
والأسماك
واللؤلؤ
وحتى بالمحار
أعرفُ جيداً كلَّ الندب التي لطخوا بها
وجه البراءة
ووشموا بها عنقَ الأمل ندبةً ندبة
كما أعرفُ كلَّ الخناجر التي غدرت
بخاصرة الثقة في وضح البشاعة
وفي جبين النهار
أعرفها جيداً
طعنةً طعنة
ولطالما شعر بها قلبي
تحت سقف انتكاسة
وجرح غيمة..
♡
أنا التي نحرت خوفها ذات وعي
أعرفُ أعرفُ كلَّ الأحلام التي ماتت مخنوقة
في بحور الرعب
في أنهار تضجُّ بطوفان وجع
تبارك ليلاً سفناً بلا أشرعة
وصباحاً تزوّدُ قواربَ الشماته
بوقود الأحقاد الدفينة
القادمة من كتب تاريخ أسود
♡
بعد فوات كلِّ القطارات
في محطات العمر
كنتُ العائدة الوحيدة
إلى الحياة
الهاربة من جحيم واقع
كان بالأمس على بعد مجرَّة
فصار اليوم على بعد خطوة
♡
كنتُ الهاربة الوحيدة
من قبح التاريخ
من متاهة دهاليزه..
من قيود حكاياه
من سجون الترهات
وجنون الحماقات فيه
♡
كنتُ العابرة الوحيدة
على كهف الأمنيات
راقَصْتُ هناك تمرّدَ السطور
على عمق المعاني
وروّضتُ جموحَ الكلمات
وسطَ رياح عاتية
من تضارب المشاعر ..
♡
وكنتُ العنيدة التي ما آمنت
بصدق النبوءة
إلّا بعد يقظة الغفلة
ويباس التين
وجفاف الزيتون
في حقول العمر
♡
كنتُ الجاحدة التي ما آمنت
إلّا يوم الفتح
فتح الصناديق السوداء
لشمس الحقيقة..
فتح الأبواب المغلقة
لضوء النهار..
فتح القلاع التي تحصّنت بها
كلُّ بنات أفكار الشعر
وكلُّ القوافي الهاربة
من قضبان ال (فعولن)
وقيود (المفاعيل)
ومن سلاسل حرّاس التأويل
تعوّدوا منذ نعومة
أظفار التجنّي
أن يدسّوا أياديهم
في جيوب الكلمات
ليعبثوا بنبض المعنى
ويخنقوا طهر القصيدة
شعر: مي عساف – سوريا
Mai Assaf
قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدة ” تحتَ جرحِ غيمةٍ” بقلم الناقدة ليلى صليبي:
«تحتَ جرحِ غيمةٍ» عنوانٌ شديدُ الكثافةِ؛ فالغيمةُ عادةً تُحيلُ إلى المطرِ والرجاءِ، لكنَّ الشاعرةَ تُستبدلُ فعلَها الطبيعيَّ بالجرح ِفتغدو السماءُ نفسُها مصدراً للألمِ .وهذه المفارقةُ تختصرُ جوهرَ النصِّ: الأملُ موجودٌ، لكنّه يأتي مثقوباً، والنجاةُ ممكنةٌ، لكنَّها تمرُّ عبرَ الألمِ.
منذُ الاستهلالِ:
“بعد فواتِ الحلمِ.. وبتر أصابع آخر أمنية”
حينَ يهدّدُ الذوبانُ الورقَ، يبقى الحرفُ وحدَه قادرًا على النجاةِ من فناءِ الذاكرةِ.ندخلُ فضاءً شعريَّاً تحضرُ فيه الخسارةُ باعتبارِها فعلًا جسديًّا. فالحلمُ لا يفوتُ وحسب، بل تُبترُ أصابعُ الأمنيةِ؛ وكأنَّ الشاعرةَ تمنحُ المجرّدَ أعضاءً قابلةً للجراحِ. ثمَّ يتوالى معجمُ النزفِ: جرح، دم، نصل، مدية، خناجر، طعنة، انتكاسة، ليصبحَ الألمُ بنيةً داخليةً للنصِّ لا مجرّدَ حالةٍ عابرةٍ.
وتبرزُ ثنائيةُ الغرقِ والنجاةِ بوصفِها المحورَ الأكثرَ حضوراً. فالنهر، والموج، والمراكب، والأشرعة، والأسماك، واللؤلؤ، والمحار، كلُّها تتحوّلُ من عناصرَ طبيعيةٍ إلى علاماتٍ على رحلةٍ إنسانيةٍ مضطربةٍ. أمّا “جزيرة النجاة” فتبدو أشبهَ بمساحةٍ داخليّةٍ قاومتِ الانهيارَ، ولذلك تقولُ الشاعرةُ:
“فأنا الناجية الوحيدة”.
إنّها ليستْ نجاةَ الجسدِ فحسب، بل نجاةَ الوعي والذاكرةِ والقدرةِ على تسميةِ الجرحِ.
واللافتُ أنَّ الشاعرةَ لا تحفظُ “أسماءَ العابرين إلى الموتِ” ولا وجوهَ القراصنةِ، لكنّها تحفظُ ما فعلوه بالموجِ والأشرعةِ والأسماكِ واللؤلؤِ والمحارِ. وهذه نقلةٌ ذكيةٌ من الشخصِ إلى الأثرِ؛ فالمهمُّ ليس هويةَ الجلادِ، بل الخرابُ الذي تركَه خلفَه. وهنا يتحوّلُ النصُّ من تجربةٍ ذاتيةٍ إلى شهادةٍ إنسانيةٍ أوسعَ.
أمّا عبارةُ ” عن ظهر خوف” فهي من أجملِ الانزياحاتِ في النصِّ؛ إذ تُستبدلُ المعرفةُ التقليديةُ عن ظهرِ قلبٍ بمعرفةٍ محفورةٍ في الخوفِ. فالذاكرةُ هنا ليستْ مخزناً محايداً، بل ذاكرةٌ جريحةٌ تحفظُ ما حاولَ الزمنُ طمسَه.
وفي المقطعِ:
“أنا التي نحرت خوفها ذات وعي”
تبلغُ الذاتُ لحظةَ تحوّلٍ أساسيّةٍ. لم تعدِ الشاعرةُ ضحيةً لما حدثَ، بل أصبحتْ فاعلةً في مواجهةِ خوفِها. لذلك تتكرّرُ صيغةُ “كنتُ” على امتدادِ القصيدةِ، لا باعتبارِها استرجاعاً للماضي فقط، وإنّما باعتبارِها عمليةَ إعادةِ بناءٍ للذاتِ: كنت الحالمة، الناجية، العائدة، الهاربة، العابرة، العنيدة، الجاحدة.
وهذه التعدديةُ في الصفاتِ تُرسمُ سيرةً ذاتيةً مكثّفةً لامرأةٍ عبرتِ الانكسارَ ولم تسمحْ له بأنْ يعرّفَها نهائيًّا.
كما أنَّ التناصاتِ الرمزيةَ في النصِّ، مثل التين والزيتون، والسفن، والفتح، وشمس الحقيقة، تمنحُ التجربةَ الشخصيةَ أفقًا أسطوريًّا وتاريخيًّا. فحينَ تقولُ:
“ويباس التين وجفاف الزيتون في حقول العمر”
لا يعودُ الجفافُ مجرّدَ ظاهرةٍ حسّيةٍ، بل يصبحُ علامةً على بلوغِ التجربةِ أقصى درجاتِ القحطِ الروحي قبلَ انبثاقِ اليقظةِ.
ويصلُ النصُّ إلى ذروةٍ ميتاشريّةٍ واضحةٍ في نهايتِه، حين تنتقلُ الشاعرةُ من الحديثِ عن جراحِ الحياةِ إلى الحديثِ عن جراحِ القصيدةِ نفسِها.
ففعولن” و”المفاعيل” و”حرّاس التأويل” تتحوّلُ إلى رموزٍ للقيودِ التي قد تُفرضُ على الشعرِ حين يُختزلُ الإبداعُ في القوالبِ أو حين يتدخّلُ التأويلُ المتعسّفُ في “نبض المعنى”.
وهنا تكمنُ إحدى أجملِ مفارقاتِ القصيدةِ:
الشاعرةُ التي نجتْ من قراصنةِ الأحلامِ، تعلنُ في النهايةِ تمردَّها على قراصنةِ الكلماتِ.
فالقراصنةُ في البدايةِ ينهبون السفنَ، وفي النهايةِ هناك من ينهبُ الكلماتِ؛ والموجُ والأشرعةُ في الخارجِ يقابلُهما الإيقاعُ والقافيةُ والتأويلُ في الدّاخلِ. وبذلك تتوحّدُ معركةُ الإنسانِ مع معركةِ النصِّ.
فنيًّا:
النصُّ يعتمدُ على التكرارِ البنائي، ولا سيَّما «كنتُ» و«أعرف»، وهو تكرارٌ يؤدّي وظيفةً نفسيةً وإيقاعيةً؛ إذ يمنحُ النصَّ نبرةً اعترافيةً متصاعدةً. كما يستندُ إلى الاستعارةِ الممتدةِ والتشخيصِ والتراسلِ بين الحواسِ، مع حضورٍ كثيفٍ للحقولِ الدلاليةِ: الجرح، البحر، السجن، الحرب، الضوء، والنجاة.
وقد تكونُ كثافةُ الصورِ أحياناً بحاجةٍ إلى شيءٍ من الاقتصادِ؛ فالنصُّ يمتلكُ طاقةً تصويريةً عاليةً جدَّاً، وبعضُ الصورِ المتلاحقةِ يمكنُ حذفُ بعضِها من دونِ أن يخسرَ المعنى، بل قد تزدادُ قوةُ المقاطعِ حين تُتركُ الصورةُ الأشدُ لمعاناً لتأخذَ مداها.
الخلاصةُ:
«تحت جرح غيمة» نصٌّ عن النجاةِ التي لا تعني الخروجَ من الجرحِ، بل امتلاكُ القدرةِ على تحويلِه إلى وعيٍ ولغةٍ. وفيه تتجاورُ الذاتُ المجروحةُ مع الشاعرةِ المتمردةِ، حتى يصبحَ الشعرُ نفسُه وسيلةً لاستردادِ ما صادرَه الخوفُ. إنّها كتابةٌ تقولُ، في جوهرِها: قد تنكسرُ الأحلامُ، وقد تُجرحُ الثقةُ، لكنَّ الكلمةَ التي تعرفُ كيف تنجو تستطيعُ أن تفتحَ صندوقَ الحقيقةِ وتعيدَ للقصيدةِ طهارتَها.
دامَ حرفُكِ جميلًا، ودامَ للشعرِ بكِ هذا الألقُ.