تقارير وتحقيقات

لماذا تتمنع كوريا الشمالية عن صفقات ترمب وهداياه؟

قبل أيام، أعلن ترمب أنه يتوقع لقاء زعيم كوريا الشمالية ‘كيم جونغ أون’ قبل نهاية العام الجاري، قائلاً للصحفيين “علاقتي به جيدة جدًا I get along with him very well، وكأنه يراهن مجددًا على يوصف بـ”الدبلوماسية الشخصية” Personal Diplomacy.
ولم يكتفِ الرئيس البرتقالي بمعسول الكلام، بل قرر فجأةً تقليص مدة ونطاق المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية المسماة “درع الحرية أولتشي” Ulchi Freedom Shield، ما أثار قلق حلفائه في جنوب شرق آسيا ممن يرون في صواريخ بيونغ يانغ النووية أكبر تهديد وجودي.
لكن المفارقة أن ما قدّمه ترمب كبادرة حسن نية لكوريا الشمالية من جهة، وكورقة ضغط على كوريا الجنوبية من جهة مقابلة (بسبب موقفها المتحفظ من الحرب الأمريكية على إيران)، لم تُقابل بالترحيب المأمول من جانب بيونغ يانغ (بيان وكالة الأنباء المركزية KCNA الذي نقل تعهدات باتخاذ إجراءات دفاعية جديدة ضد المناورات لم يشر إلى قرار ترمب بتقليصها، فيما شككت ‘كيم يو جونغ’، شقيقة الرئيس كيم، في وجود أي اتصالات حديثة مباشرة بين الزعيمين). كما لم تُحدث خطوة ترمب رد الفعل المتوقع لدى سيؤول (التي يتبنى رئيسها ‘لي جاي ميونغ’ سياسة أكثر ليونة وانفتاحا مع كوريا الشمالية) بل اعتبرت القرار يعكس “تفكيرًا جادًا في خلق السلام بعيدًا عن العداء والمواجهة في شبه الجزيرة الكورية”.
وهكذا تبدو المسألة أكثر تعقيداً من شكليات ترتيب قمة رابعة بين ترمب وكيم.
فالرئيس الأمريكي يتصرف وكأن تفعيل “الكيمياء الشخصية” التي جمعته بالزعيم الكوري الشمالي خلال فترته الرئاسية الأولى يمكن أن تعيد إحياء الدبلوماسية بين البلدين، بينما تشير معطيات الواقع إلى أن بيونغ يانغ باتت اليوم في موقع تفاوضي أقوى بكثير مما كانت عليه في 2019.
فخلال السنوات السبع الماضية، توسعت قدراتها النووية، وتعزز تحالفها العسكري مع روسيا (خصوصاً منذ توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الرئيس الروسي بوتين في يونيو 2024، ثم مشاركتها بقوات على الأرض في الحرب الأوكرانية)، واستعادت علاقاتها الاقتصادية مع الصين لترتفع التجارة بين البلدين في 2025 بنسبة 25% (بنك كوريا المركزي أكد أن الاقتصاد الكوري الشمالي نما بنسبة 3.5% في 2025).
وهذا يعني أن ورقة الضغط التي اعتمدت عليها واشنطن لعقود ــ أي عزل كوريا الشمالية اقتصاديًا ــ لم تعد بالفاعلية ذاتها.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل سيلتقي ترمب وكيم قبل نهاية العام من أجل لقطات تتداولها وسائل الإعلام دون اتفاقات ملزمة أو نتائج حقيقية كما حدث في قمة 2019؟
السؤال اليوم: بماذا يستطيع الرئيس الأمريكي المأزوم بمغامرات خارجية فاشلة (مع إيران وأوروبا) وبضغوط داخلية عنيفة وبسمعة دولية متهاوية، إغراء الزعيم الكوري “النووي” المنتفخ بأن لقاءه مع ترمب يستحق المخاطرة السياسية (بصورة زعامته الحديدية داخلياً) والاستراتيجية (بعلاقاته الممتازة مع الصين وروسيا)؟!
المؤكد أن ترمب سيحتاج قبل قمته المأمولة إلى “جزرة” تملأ عين ‘كيم’ هذه المرة، دون أن يخفي كلاهما ما في جعبته من “عصِي” بعيداً عن عدسات المصورين، على أن ترتفع مجددًا مع أول مناورة أمريكية جديدة في المنطقة، أو مع أول تجربة صاروخية أبعد مدى وأثقل رؤوساً من سواحل كوريا الشمالية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى