محمد الحسيني يكتب :خبرة الساحل وصلابة الضالع .. من تعدد الجبهات إلى بناء منظومة عمل جماعي

الضالع ليست جبهة منفردة، والساحل ليس جبهة منفردة، ولحج وتعز ومأرب وشبوة ليست جزرًا عسكرية منفصلة؛ بل إن ما يلفت النظر اليوم هو تنامي التواصل بين القيادات، وتكثيف الزيارات والاجتماعات والتنسيق، بما يوحي بأن الجبهات تتجه تدريجيًا إلى العمل ضمن صورة أوسع وأكثر تكاملًا.
المشهد يتحرك من تعدد الجبهات إلى تشبيكها، ومن تفرق الجهود إلى تكاملها، ومن التواصل بين القيادات إلى بناء منظومة عمل جماعي.
زيارة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري إلى جبهة الضالع، برفقة محافظ المحافظة قائد المحور اللواء أحمد قائد القُبّة، قد تبدو مجرد جولة ميدانية للاطمئنان على جاهزية القوات.
لكن أهميتها الحقيقية تكمن في أنها تأتي ضمن مشهد أوسع تتكثف فيه اللقاءات بين القيادات، وتتقاطع فيه مسارات الجبهات، ويتزايد فيه التواصل بين مراكز القرار والقوات المرابطة في الميدان.
من الضالع إلى لحج، ومن تعز إلى الساحل الغربي، ومن شبوة ومأرب إلى باب المندب، تبدو الصورة وكأنها تتجه شيئًا فشيئًا نحو ربط ما كان يُنظر إليه طويلًا باعتباره جبهات متفرقة ضمن تصور أكثر اتساعًا.
ليس بالضرورة أن تكون هناك، حتى الآن، غرفة عمليات واحدة معلنة تدير كل هذه الجبهات، ولا أن قرار المعركة الشاملة قد اتُّخذ.
لكن اللافت هو شيء آخر: التواصل يزداد، والقيادات تلتقي، والجبهات تتقارب، والتنسيق يصبح أكثر حضورًا في الخطاب والميدان، وهنا تصبح الضالع ذات دلالة خاصة.
فالزيارة التي جمعت قائد المنطقة الرابعة بقائد محور الضالع في الخطوط الأمامية تقول، في أحد أوجهها، إن الجبهة ليست وحدها في الحسابات العسكرية، وإن القيادة التي تشرف على مسرح واسع لا تكتفي بإدارة الملفات من المكاتب، بل تنزل إلى الميدان، وتلتقي بالقادة والجنود، وتستمع إلى احتياجات القطاعات، وتبحث مع قياداتها في كيفية رفع الجاهزية وتعزيز التكامل.
وهذا بالضبط ما تحتاجه أي مرحلة جديدة من الحرب: أن تعرف الجبهات بعضها بعضًا، وأن تتواصل القيادات، وأن تتحول الخبرات المتراكمة في كل محور إلى قوة مشتركة بدل أن تبقى خبرات منفصلة.
أهمية الضالع لا تأتي من موقعها وحده، وإنما من قدرتها على أن تكون حلقة وصل في منظومة أوسع.
فالضالع تتصل بلحج وعدن جنوبًا، وتقترب من تعز وإب شمالًا وغربًا، بينما يفتح امتداد المنطقة العسكرية الرابعة مجالًا أوسع للتعامل مع مسارح عمليات متجاورة ومترابطة.
ومن هنا، فإن حضور قائد المنطقة الرابعة في الضالع، إلى جانب قائد المحور، يمكن قراءته باعتباره جزءًا من عملية ربط بين القيادة العليا للمنطقة والقيادات الميدانية التي تعرف تفاصيل الأرض وتضاريسها واحتياجاتها.
ولعل الأهم أن هذا التواصل لا يتوقف عند حدود الضالع، فحمدي شكري نفسه يحمل تجربة عسكرية طويلة في الساحل الغربي، وهو مسرح ارتبط كذلك بتجربة طارق صالح والمقاومة الوطنية.
ومن ثم فإن انتقال شكري من قيادة تشكيلات قاتلت في الساحل إلى قيادة المنطقة الرابعة يخلق مساحة طبيعية للتواصل بين خبرتين ومسرحين عسكريين متجاورين.
ليس معنى ذلك أن أحدهما يقود الآخر، ولا أن هناك قيادة عملياتية مشتركة معلنة بينهما، وإنما يعني أن الخبرة الميدانية المشتركة، والتواصل بين القيادات، وتقارب مسارح العمليات، كلها عوامل يمكن أن تجعل التنسيق بين الجبهات أكثر سهولة وفاعلية، وهنا تصبح الصورة أهم من الأسماء.
الحرب الطويلة أنتجت في اليمن جبهات عديدة، ولكل جبهة ظروفها وقياداتها وتجربتها، لكن المرحلة المقبلة، إذا اتجهت نحو مزيد من التصعيد، لن تحتاج فقط إلى مقاتل أكثر شجاعة، وإنما إلى جبهة أكثر ترابطًا.
أن تعرف الضالع ما يجري في لحج، وأن تعرف لحج ما يجري في الساحل، وأن تكون تعز حاضرة في حسابات الساحل، وأن تتواصل القيادات العسكرية والسياسية بصورة مستمرة.
وأن تتحول الزيارات والاجتماعات من مناسبات بروتوكولية إلى أدوات فعلية لتبادل المعلومات والخبرات وتنسيق المواقف.
هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها في المشهد الحالي، فالمؤشرات لا تتحدث فقط عن رفع الجاهزية، وإنما عن رفع مستوى الاتصال بين القيادات والمحاور.
وهذا فارق كبير، لأن القوة لا تتضاعف فقط بزيادة عدد القوات، وإنما تتضاعف عندما تعمل القوات المتعددة وفق رؤية متقاربة، وعندما يعرف كل محور كيف يمكن أن يسند الآخر.
فحين أعلن الأمين العام للمكتب السياسي للمقاومة الوطنية أن المعادلة تغيرت، وربط ذلك بالرد على اعتداءات الحوثيين، وصولًا إلى قوله موعدنا صنعاء، لم تكن العبارة مجرد توصيف عسكري؛ بل كانت رسالة سياسية تحمل سقفًا مختلفًا لطموح المعركة.
لكن المعادلة الجديدة، إن كانت تتشكل فعلًا، لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة أو تحركات القوات.
هناك معادلة أخرى أكثر عمقًا: هل تتغير طريقة إدارة الحرب نفسها؟ هل تصبح الجبهات أكثر اتصالًا؟ هل تتقارب القيادات؟ هل تتبادل الخبرات؟ هل يتحول العمل من ردود أفعال محلية إلى رؤية أوسع؟
هل يصبح الساحل والضالع ولحج وتعز ومأرب وشبوة أجزاء من تصور عسكري وسياسي أكثر تنسيقًا؟
إذا كانت الإجابة تتجه نحو نعم، فإننا أمام تحول مهم، حتى قبل أن تبدأ أي معركة كبرى.
في الضالع تحديدًا، اكتسبت الصورة التي جمعت شكري والقُبّة أهمية مضاعفة .. قائد المنطقة العسكرية الرابعة، القادم بخبرة عسكرية متصلة بالساحل والعمالقة، يقف إلى جانب قائد محور الضالع، صاحب الخبرة المباشرة في جبهة من أكثر الجبهات صلابة.
ثم يجتمعان مع قيادات عسكرية من المنطقة والوحدات والمحاور، المشهد هنا لا يقول إن جبهة تعمل منفردة، بل يقول شيئًا مختلفًا:
القادة يلتقون، والخبرات تتقاطع، والقيادات الميدانية تتواصل، والهدف المعلن هو رفع الجاهزية وتعزيز التكامل، وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي يمكن التقاطها من الزيارة.
فالضالع لا تحتاج إلى أن تثبت أنها قادرة على الصمود؛ لقد فعلت ذلك على مدى سنوات، لكن ما تحتاجه المرحلة المقبلة هو أن يتحول صمود الضالع إلى جزء من قوة أوسع، وأن تصبح خبرتها متاحة ضمن شبكة الجبهات الأخرى، كما تستفيد هي من خبرات الساحل وتعز ولحج ومأرب وشبوة.
وربما يكون التعبير الأدق عن الدور المقبل للضالع أنها ليست جبهة منفصلة، وإنما نقطة تجمُّع في شبكة عسكرية وسياسية أوسع.
فموقعها يجعلها قريبة من أكثر من مسرح عمليات، وتجربتها العسكرية تمنحها وزنًا ميدانيًا، ووجود قيادة محلية متماسكة يجعلها قادرة على التواصل مع القيادة العسكرية الأعلى.
ولهذا فإن مستقبل الضالع لا ينبغي أن يُقرأ فقط من داخل حدود المحافظة، فما يحدث فيها يرتبط فعلياً بما يحدث حولها.
وكلما ازداد التواصل بين قيادة المنطقة الرابعة ومحور الضالع، وبين القيادات في لحج وتعز والساحل الغربي، أصبحت الضالع أكثر أهمية باعتبارها حلقة ضمن منظومة، لا باعتبارها جزيرة عسكرية منفصلة.
فهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة؟ لا أحد يستطيع أن يجزم بعد بأن معركة شاملة قد بدأت أو أن قرارًا نهائيًا بتحرير صنعاء قد اتُّخذ.
لكن يمكن القول إن المشهد يتحرك في اتجاه يستحق المتابعة، فرفع الجاهزية يترافق مع تحرك القيادات، والتحرك يترافق مع اجتماعات، والاجتماعات تترافق مع حديث متزايد عن التنسيق، والتنسيق يتزامن مع تصعيد في أكثر من مسرح.
وهذه العناصر مجتمعة قد تكون مقدمة لمرحلة أكثر تنظيمًا في إدارة المواجهة، حتى لو لم تتبلور بعد في صورة عملية عسكرية شاملة.
وفي مثل هذه المرحلة، تصبح الضالع أكثر من مجرد موقع على الخريطة .. بل تصبح إحدى النقاط التي يمكن من خلالها قياس مدى نجاح الانتقال من تعدد الجبهات إلى تكامل الجبهات.
لقد أثبت اليمنيون في مختلف الجبهات أن الشجاعة ليست المشكلة .. المشكلة كانت دائمًا في كيفية تحويل هذه الشجاعة إلى قوة منظمة، وكيفية جمع الإمكانات المتفرقة في اتجاه واحد.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة، إن كانت بالفعل مرحلة مختلفة، ينبغي أن يكون عنوانها: التنسيق بدل التشتت، والتكامل بدل التنافس، والتواصل بدل العزلة، والعمل الجماعي بدل الجهود المنفردة.
ومن مأرب إلى شبوة، ومن لحج والضالع إلى تعز والساحل، لا تبدو القيمة الحقيقية في أن تتحرك كل جبهة وحدها، وإنما في أن تعرف كل جبهة أين تقف، وكيف يمكن أن تسند الجبهة الأخرى.
وعندها فقط تصبح عبارة المعادلة تغيرت أكثر من شعار، بل تصبح واقعًا جديدًا في طريقة إدارة المعركة.
والضالع، بما تمتلكه من موقع وخبرة وصمود ورمزية، تبدو مرشحة لأن تكون واحدة من أهم نقاط هذا التحول.
ليست لأنها تريد أن تكون وحدها في مقدمة المشهد، وإنما لأنها تستطيع أن تكون في قلب شبكة المشهد كله.
وهنا تكمن دلالة زيارة حمدي شكري وأحمد القُبّة للجبهة وخطوط التماس، فالقائد القادم من خبرة الساحل يلتقي بالقائد الذي يحمل خبرة الضالع، والقيادات العسكرية تجتمع، والمحاور تتواصل، والجبهات ترفع جاهزيتها.
قد لا تكون المعركة الكبرى قد بدأت بعد، لكن شيئًا مهمًا بدأ قبلها: أن تنظر الجبهات إلى بعضها، وأن تتحدث القيادات مع بعضها، وأن يبدأ بناء القوة من فكرة بسيطة لكنها حاسمة: أن المعركة، إذا جاءت، لن تنتصر بها جبهة وحدها.
إنها معركة تحتاج إلى جبهة تعرف جبهتها الأخرى، وقيادة تتواصل مع قيادتها الأخرى، وهدف يجمع الجميع تحت راية الدولة واليمن.
وعندها، ربما لا تكون الضالع مجرد بوصلة للمعركة القادمة .. بل إحدى نقاط الالتقاء التي تصنع اتجاهها.