
لم يكن الوجود وحده جديرًا بأن نسأل عن حقيقته؛ فالعدم أيضًا يستحق أن نقف أمامه طويلًا.
نحن نرى الوجود لأنه حاضر أمامنا، ونلمس الأشياء لأنها اتخذت صورةً مادية يمكن إدراكها، لكننا كثيرًا ما نتعامل مع العدم وكأنه مجرد «لا شيء»، وكأن ما لا نراه لا حقيقة له.
وهنا يبدأ السؤال:
هل العدم هو اللاشيء حقًا؟ أم أن «اللاشيء» الذي نتصوره ليس إلا حدودًا لإدراكنا؟
فالإنسان نفسه لم يكن موجودًا بالصورة التي نعرفها اليوم، ثم أصبح وجودًا محسوسًا. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى:
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾
[مريم: 67]
فالآية تضع الإنسان أمام حقيقة شديدة العمق: أن وجوده الذي يراه الآن لم يكن دائمًا على هذه الصورة، وأن هناك فرقًا بين «أن لا يكون الشيء موجودًا في صورته الحالية» وبين أن يكون العدم المطلق الذي لا يسبقه شيء ولا يتبعه شيء.
ومن هنا يمكننا أن ننظر إلى العدم لا بوصفه حقيقةً تقف في مواجهة الوجود فحسب، بل بوصفه سؤالًا يقودنا إلى أصل الوجود ذاته.
فالشيء قبل أن يصبح شيئًا في عالمنا كان خارج إدراكنا له كوجود. والفكرة قبل أن تتحول إلى كلمة كانت صامتة في العقل، والمشروع قبل أن يصبح واقعًا كان مجرد احتمال، والإنسان قبل أن يُخلق لم يكن شيئًا في عالمنا المحسوس.
إذن، ربما لا تكون المسافة بين العدم والوجود كما نتخيلها؛ فبينهما سرٌّ لا تستطيع الحواس وحدها أن تكشفه.
لكن يبقى هناك فرق جوهري:
نحن لا نقول إن العدم ذاته يتحول إلى وجود من تلقاء نفسه، وإنما نقول إن ما لا وجود له في عالمنا المحسوس قد ينتقل بأمر الله وإرادته إلى الوجود.
وهنا تتجاوز المسألة حدود الفلسفة لتصل إلى سؤال أعظم:
إذا كان الإنسان قد انتقل من «لم يكن شيئًا» إلى أن أصبح شيئًا، فما حقيقة ذلك الوجود الذي نحياه؟ وإلى أين يمضي بعد أن ينتهي وجوده المادي؟
ربما يكون الوجود الذي نراه مجرد فصلٍ واحد من قصةٍ أكبر، وربما يكون العدم الذي نخافه ليس نهاية القصة، بل مجرد اسم نطلقه على ما تعجز عقولنا عن إدراك حقيقته.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن نعيش في الوجود فعلًا، أم أننا لا نرى من الوجود إلا الجزء الذي سمحت لنا حواسنا وعقولنا أن نراه؟