كتاب وشعراء

“الطب الجنائي”… بقلم مريم عمار “كاتبة العدالة”

يُعدّ الطب الجنائي من أسمى المهن وأكثرها حساسية؛ فالطبيب الممارس له دور جوهري في خدمة المجتمع عبر تشخيص الأمراض وصرف العلاجات المناسبة لكل حالة، وندراً ما يكون عرضة للمخاطر، إلا في حالات استثنائية كتوصله لاكتشافات طبية حاسمة أو علاجات لأمراض مستعصية قد تتقاطع مع مصالح جهات أو أبحاث أخرى. أما الطبيب الجنائي، فإنه يُعد دوماً في مواجهة التحديات والمخاطر؛ نظراً لقلة الكوادر المتخصصة في هذا المجال واقتصارها على أعداد محدودة في كل دولة.
يتركز دور الطبيب الجنائي في التعامل مع الجثث وإصابات البدن لكشف المعالم الغامضة التي تخفى عن الأعين غير المتخصصة؛ فهو يمثل ركيزة استشارية لا تقل أهمية عن الهيئات القضائية، ويعمل تحت مظلة وزارة العدل. ويستمد هذا التخصص خطورته من كونه الحجة الأكثر حسماً والدليل الأقوى في توجيه مسار العدالة؛ فبناءً على التقرير الطبي الصادر بإذن من النيابة العامة، تُستكشف الحقائق وتُبنى الأحكام القضائية النهائية. ومن هنا تسعى الجهات أو الأشخاص الراغبين في طمس الأدلة إلى استهدافه وتعطيل عمله. فالقاضي يستمع للحجج ويرتكز على الأدلة، وفي القضايا التي تتطلب رأياً طبياً شرعياً، يظل الحكم موقوفاً لحين ورود التقرير الفني الذي يحدد بدقة كيفية وقوع الجريمة، وظروفها، وتوقيتها، وأسلوب الاعتداء أو القتل. فالطبيب الجنائي، بما أوتي من أدوات ومعرفة علمية، يستحضر مسرح الجريمة ويشخص الوقائع كما حدثت لحظة بلحظة، منذ دخول الجاني وحتى إتمام الفعل الإجرامي.
وغالباً ما يحدث خلط لدى العموم بين مفهومي الطب الشرعي والطب الجنائي، رغم وجود تمييز دقيق بينهما:
* الطب الشرعي: يُعد المظلة العامة والشاملة التي تخدم القضايا الجنائية والمدنية على حد سواء (مثل قضايا إثبات النسب، التعويضات، والأخطاء الطبية).
* الطب الجنائي: هو فرع متخصص يقتصر نطاق عمله على القضايا والجرائم الجنائية البحتة (كالقتل والإصابات العمدية).
أولاً: المنهجية الدقيقة لتشريح الجثث الجنائية
لا يتوقف الطب الجنائي عند الفحص الظاهري، بل يخضع لبروتوكولات دقيقة ومعتمدة عالمياً:
* الفحوصات الظاهرية: تشمل توثيق حالة الملابس، الوشوم، قياس درجة حرارة الجثة، ورصد علامات التيبس النحبي (المميت).
* الشقوق الجراحية الأساسية: تُجرى عادةً على شكل حرف (Y) أو (I) من عظمة الترقوة حتى أسفل البطن؛ لفتح التجويف الصدري والبطني وفحص الأحشاء. وتتم عملية استخراج الأعضاء وفق تقنيات محددة، منها:
* طريقة فيرخو (Virchow): استخراج كل عضو وفحصه بشكل مستقل.
* طريقة غون (Ghon): استخراج الأعضاء في مجموعات مترابطة تشريحياً (كالجهاز الهضمي أو التنفسي).
* طريقة ليتول (Letulle): إخراج أحشاء الصدر والبطن ككتلة واحدة متصلة لفحص العلاقات التشريحية بين الإصابات المختلفة.
ثانياً: تحديد طبيعة الوفاة (Manner of Death)
يُكلف الطبيب الجنائي بتصنيف سبب الوفاة ضمن أطر قانونية محددة تشمل خمس خانات:
* طبيعية (Natural): كالأزمات المرضية الكامنة (مثل السكتة القلبية).
* حادث (Accident): كالوفيات غير المقصودة (حوادث السير أو الغرق العرضي).
* انتحار (Suicide): إيذاء النفس بقدسية وتعمد.
* قتل جنائي (Homicide): الوفاة الناتجة عن فعل فاعل.
* غير محددة (Undetermined): عند عدم كفاية الأدلة للوصول إلى جزم قاطع.
ثالثاً: فروع الطب الجنائي
نظراً لاتساع هذا العلم وأهميته، فإنه يتفرع إلى تخصصات دقيقة:
* علم الحشرات الجنائي (Forensic Entomology)
* علم الأمراض الجنائي (Forensic Pathology)
* علم السموم الجنائي (Forensic Toxicology)
* علم الأمصال والـ DNA الجنائي (Forensic Serology)
رابعاً: التقنيات الحديثة في الطب الجنائي
يتطور هذا المجال باستمرار ويتكامل مع التكنولوجيا الحديثة، ومن أبرز تقنياته:
* التشريح الافتراضي (Virtopsy): الاعتماد على الأشعة المقطعية (CT) والرنين المغناطيسي (MRI) ثلاثي الأبعاد؛ لتحديد مسارات المقذوفات النارية والكسور الدقيقة دون المساس بالبنية الظاهرية للجثة.
* التشريح الجزيئي (Molecular Autopsy): التحليل الجيني بعد الوفاة لتفسير حالات الموت المفاجئ غامضة الأسباب (مثل الاختلالات القلبية الوراثية لدى الشباب).
إن ماُطرِح هنا ليس إلا قليلٌ من كثير في بحر الطب الجنائي الواسع، الذي يظل حارس العدالة الصامت والصوت الذي ينطق بالحق نيابة عن الضحايا.
29.8.2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى