قراءة في تشريح الأثر الشعري وإنقاذ الروح عند زكريا شيخ أحمد .. بقلم شيماء محمد شاهين / فلسطين
الصديق العزيز الشاعر زكريا شيخ أحمد، قرأتُ نصك الطويل «لا تبخسوا الشعر قدره» قراءةً عميقة، فوجدتُه نصًا دفاعيًا وتأمليًا في آنٍ واحد؛ فهو لا يشرح الشعر من الخارج، بل يحاول أن يكشف ما يختبئ وراء القصيدة من عمرٍ وصمتٍ وفقدٍ وحبٍ وعجز، ثم يطلب من القارئ أن يتعامل مع الشعر ببطءٍ واحترام، لا بعجلة الحكم وسرعة الرفض
تبدأ بقولك: «لا تبخسوا الشعر قدره». يأتي المطلع في صورة نداءٍ وتحذير، وكأن الشعر قيمةٌ يمكن أن تُنتقص حين يُقرأ بسطحية أو يُحاكم بمعايير ضيقة. وفعل «تبخسوا» لا يعني مجرد عدم الإعجاب، بل يعني إنقاص القيمة، ولذلك فإنك تطالب القارئ بأن يمنح الشعر حقه قبل أن يصدر حكمه عليه
ثم تقول: «فقد يقضي شاعرٌ عامًا كاملًا ليجد كلمةً واحدة تصلح أن تقال في لحظةٍ قضى فيها رجلٌ عمره كله صامتًا». تضع هنا زمن الكتابة الطويل في مقابل لحظةٍ واحدة من حياة إنسان صامت. فالكلمة التي تبدو صغيرة في عدد حروفها قد تكون ثمرة عامٍ كامل من البحث، وقد تحمل في لحظةٍ واحدة صمت عمرٍ كامل. وهنا تؤكد أن قيمة الكلمة لا تُقاس بطولها، بل بالمسافة الداخلية التي قطعها الشاعر حتى يصل إليها
ثم تقول: «وقد يكتب آخر بيتًا صغيرًا على هامش ورقة، ثم يأتي بعده بعشرات السنين من يفتحه فتسقط منه مدينةٌ كاملة». تتحول الورقة إلى وعاءٍ لمدينة، ويتحول البيت الصغير إلى بابٍ يفتح على عالمٍ واسع. وهذه الصورة تكشف أن النص قد يبدو محدودًا في حجمه، لكنه يحمل ذاكرةً وجغرافيا وأرواحًا وأزمنةً لا تظهر من القراءة الأولى
وتقول: «لا تسألوا القصيدة ماذا دفعت مقابل جمالها». هنا تجعل القصيدة كائنًا دفع ثمنًا لجماله. والجمال في النص ليس مجانيًا، بل وراءه تضحيةٌ وألمٌ وخسارة. لذلك تحذّر القارئ من أن يكتفي بالنظر إلى جمال الصورة، دون أن يسأل عن التجربة التي صنعتها
ثم تفصّل هذا الثمن: «ربما كان ثمنها أبًا لم يُودَّع». تختصر هذه العبارة وجع الفقد في صورة أبٍ لم تتحقق فرصة وداعه. فالقصيدة قد تكون خرجت من غيابٍ لم يُغلق، ومن كلمةٍ لم تُقل في وقتها، ومن حزنٍ ظل يبحث عن مخرجٍ في اللغة
ثم تقول: «أو امرأةً بقي اسمها في فم الشاعر بعد أن غاب وجهها». هنا يظل الاسم حاضرًا بعد غياب الوجه، وكأن الذاكرة تحتفظ بالكلمة حين يعجز البصر عن استعادة الصورة. والفم موضع النطق، لكنه يصبح أيضًا موضع حفظ؛ فالاسم لا يزال حيًا في الكلام رغم أن الوجه غاب
ثم تقول: «أو ليلةً طويلة جلس فيها رجلٌ وحده يستمع إلى قلبه وهو يتعلم للمرة الأولى كيف يكون العجز لغة». تبلغ الصورة هنا عمقًا كبيرًا؛ فالعجز لا يعود حالةً صامتة، بل يتعلم أن يصبح لغة. والجلوس منفردًا في الليل يمنح القلب فرصةً لاكتشاف ما لا يستطيع فعله، ثم تحويل هذا العجز إلى كلمات. وهكذا لا يكون الشعر كلام القوة فقط، بل كلام الإنسان حين يعترف بحدوده.
ثم تؤكد: «الشعر ليس كلامًا يمكن وزنه بعدد الكلمات». ترفض معيارًا شكليًا في تقييم الشعر؛ فعدد الكلمات لا يكشف مقدار التجربة ولا عمق الأثر. وقد يكون النص القصير أكثر امتلاءً من نص طويل، لأن القيمة في كثافة المعنى لا في كثرة الألفاظ
ثم تقدم تعريفًا شعريًا للشعر: «إنه ذلك الشيء الذي يجعل الحجر يتذكر اليد التي رمته». تمنح الحجر ذاكرة، وتمنح اليد أثرًا يتجاوز فعل الرمي. فالشعر يعيد الصلة بين الأشياء وأفعال الإنسان، ويجعل الجماد قادرًا على الاحتفاظ بذكرى ما حدث له
ثم تقول: «والنافذة تشتاق إلى وجهٍ مرّ بها». تتحول النافذة إلى كائنٍ يشتاق، ولا تعود مجرد فتحةٍ في جدار. فالوجه العابر يترك فيها أثرًا، حتى يصبح المرور حضورًا مستمرًا في الذاكرة. وهذه الصورة تؤكد أن الشعر يمنح الأشياء مشاعر الإنسان، ويجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور
وتقول: «والطريق يحفظ خطوات من رحل ولا يعرف كيف يعود». يصبح الطريق حافظًا للخطوات، لكنه عاجزٌ عن إعادة صاحبها. وهنا يتجاور الحفظ مع العجز؛ فالطريق لا ينسى، لكنه لا يملك القدرة على استرجاع الراحل. وهذه الصورة تختصر معنى الفقد حين تبقى الآثار ويغيب أصحابها.
تقول: «فإذا مرّت بكم قصيدة ولم تفهموها، فاتركوا لها قليلًا من الليل». هنا تتحول القراءة إلى فعلٍ يحتاج إلى زمن. فأنت لا تعتبر عدم الفهم دليلًا على ضعف القصيدة، بل تطلب من القارئ أن يمنحها الليل؛ أي الهدوء والتأمل والمسافة من العجلة. بعض النصوص لا تفتح أبوابها في الضوء السريع، بل تحتاج إلى صمتٍ يتيح للمعنى أن يتشكل
ثم تقول: «بعض المعاني تحتاج إلى أن تنضج بعيدًا عن الضوء». تشبه المعنى بالثمرة التي تحتاج إلى النضج. والضوء هنا قد يرمز إلى النظرة السريعة أو الحكم الفوري، بينما يحتاج المعنى إلى الابتعاد قليلًا عن المباشرة حتى يكشف عمقه. إنك تدافع عن حق القصيدة في الغموض المنتج، وفي أن تمنح القارئ فرصةً للمشاركة في اكتشافها
ثم تقول: «وإذا وجدتم بيتًا لم يعجبكم فلا تكسروه». تجعل البيت شيئًا قابلًا للكسر، وكأن الرفض القاسي قد يهدم ما لا يفهمه القارئ. وهذه العبارة تدعو إلى احترام النص حتى حين لا يلامس الذائقة الشخصية؛ فعدم الإعجاب لا يبرر التحقير أو الإلغاء
ثم توضح: «ربما كان الشاعر قد وضع فيه آخر ما بقي لديه من قلبه». هنا يصبح البيت الشعري وعاءً لآخر ما يملك الشاعر من إحساس. ولذلك فإن كسر البيت قد يعني كسر جزءٍ من صاحبه، لأن القصيدة ليست منفصلةً تمامًا عن القلب الذي كتبها
وتقول: «وإذا رأيتم شاعرًا يكرر كلمةً واحدة فلا تضحكوا». تدافع عن التكرار حين يكون ضرورةً شعورية لا عجزًا لغويًا. فقد يكرر الشاعر كلمةً لأنها تحمل جرحه أو رجاءه أو خوفه، ولأنها أصبحت مركزًا تدور حوله تجربته
ثم تقول: «قد تكون تلك الكلمة هي الباب الوحيد الذي بقي مفتوحًا بينه وبين الحياة». تمنح الكلمة وظيفة النجاة والاتصال. فهي ليست تكرارًا فارغًا، بل بابٌ أخير يصل الشاعر بالعالم. وإذا أُغلق هذا الباب، فقد يفقد الشاعر وسيلته إلى البوح وإلى الاستمرار
ثم تقول: «الشعراء لا يملكون دائمًا ما يقولونه، أحيانًا تملكهم الأشياء». تقلب العلاقة بين الشاعر وما يكتب؛ فالشاعر لا يكون دائمًا سيدًا كاملًا للكلمات، بل قد تستولي عليه الأشياء والذكريات والأصوات. وفي هذه العبارة يظهر الشعر بوصفه حالةً تملك الشاعر، لا مجرد مهارةٍ يسيطر عليها.
ثم تفصّل: «يمر الحزن في أيديهم فيصير قصيدة». تتحول اليد، وهي أداة الكتابة، إلى ممرّ للحزن. فالحزن لا يبقى إحساسًا داخليًا، بل يعبر إلى الورق ويتخذ شكلًا فنيًا
وتقول: «ويمر الحب من أفواههم فيصير ارتباكًا». الحب حين يمر عبر الكلام لا يخرج دائمًا واضحًا ومنظمًا، بل قد يتحول إلى ارتباك. وهذا الارتباك ليس ضعفًا، بل دليلٌ على أن الشعور أكبر من قدرة اللغة على الإحاطة به
ثم تقول: «ويمر الموت أمامهم فيترك على الورق ظله فقط». لا يستطيع الشاعر أن يمسك الموت كله، لذلك لا يبقى منه إلا الظل. وهذه الصورة تجعل القصيدة أثرًا لما مرّ، لا نسخةً كاملة من الحدث. فالورق يحتفظ بالظل، بالعلامة، بالإحساس الذي تركه الموت دون أن يستطيع احتواء سره كله.
ثم تعود إلى الدعوة: «فاحفظوا للشعر شيئًا من هيبته». تطلب من القارئ أن يضع بينه وبين القصيدة مسافةً من الاحترام. والهيبة هنا لا تعني تحصين الشعر من النقد، بل تعني ألا يتحول النقد إلى استهزاء، وألا تُختزل القصيدة في منافسةٍ سطحية
وتقول: «لا تجعلوه مسابقةً بين قصيدةٍ وقصيدة، ولا سوقًا تعلو فيه الأصوات لأن أحدهم صفّق أكثر». تنتقد تحويل الشعر إلى سباقٍ أو سوق. فالتصفيق لا يثبت القيمة، وعلو الصوت لا يعني عمق النص. وقد يكون النص الهادئ أكثر أثرًا من النص الذي يحصل على ضجيجٍ أكبر.
ثم تقول: «هناك قصائد لم تجد قارئها بعد». تمنح القصائد مستقبلًا مفتوحًا، فعدم العثور على قارئ في الحاضر لا يعني فقدان القيمة. وقد تحتاج القصيدة إلى زمنٍ مناسب أو قارئٍ قادر على استقبالها.
وتضيف: «وهناك أبيات ستولد بعد موت أصحابها». هنا يتسع زمن الشعر إلى ما بعد حياة الشاعر. فالبيت قد يتأخر في ولادته الحقيقية، ولا يكتمل حضوره إلا حين يقرؤه شخصٌ في زمنٍ لاحق.
ثم تقول: «وهناك كلمة قد يقرؤها شخصٌ بعد خمسين عامًا فتمنعه من الانهيار». تبلغ قيمة الشعر ذروتها في هذه الصورة؛ فالكلمة قد تكون سببًا في إنقاذ إنسان بعد عقود من كتابتها. وهذا يجعل الشعر يتجاوز لحظة التأليف، ويصبح قوةً مؤجلة تعمل حين تجد القلب المحتاج إليها
ثم تقول: «تلك الكلمة كانت تستحق أن تُكتب، وكان صاحبها يستحق أن يُسمع». تمنح الشاعر حق الظهور والإنصات، حتى لو تأخر الاعتراف به. فالكتابة قد تكون ضرورية قبل أن يعرف أحدٌ ضرورتها، والشاعر قد يستحق السماع حتى إن لم يجد جمهوره في زمنه
وتختم بتكرار المطلع: «فلا تبخسوا الشعر قدره». يعود النص إلى بدايته، لكن المعنى أصبح أوسع بعد كل هذه الصور والحجج. ثم تضع السبب النهائي: «فأنتم لا تعرفون أي قلبٍ كان الشاعر يحاول أن ينقذه حين كتب». هنا تتحول القصيدة إلى فعل إنقاذ؛ فالشاعر قد لا يكون يكتب للزينة أو الشهرة، بل يحاول إنقاذ قلبه أو قلب قارئٍ مجهول
الملخص الشامل
نصك يا زكريا بيانٌ شعري يدافع عن قيمة القصيدة وحقها في التمهل والفهم والاحترام. فأنت ترى أن الكلمة قد تحتاج إلى عامٍ كامل حتى تولد، وأن البيت الصغير قد يخفي مدينةً كاملة، وأن جمال القصيدة قد يكون مدفوعًا بثمنٍ من الفقد والصمت والعجز والحب
كما تؤكد أن الشعر لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بقدرته على منح الأشياء ذاكرةً ومشاعر؛ فيجعل الحجر يتذكر، والنافذة تشتاق، والطريق يحفظ خطوات الراحلين. وتدعو القارئ إلى أن يمنح القصيدة قليلًا من الليل، لأن بعض المعاني تحتاج إلى أن تنضج بعيدًا عن الضوء والحكم السريع.
ثم تشرح أن الشاعر لا يملك دائمًا ما يقوله، فقد تملكه الأشياء، ويمر الحزن في يديه فيصبح قصيدة، ويمر الحب في فمه فيتحول إلى ارتباك، ويمر الموت أمامه فيترك ظله على الورق. وتنتهي إلى أن الشعر ليس مسابقةً ولا سوقًا للتصفيق، بل قد يكون كلمةً مؤجلة تنقذ إنسانًا بعد خمسين عامًا.
إن جوهر نصك هو أن القصيدة قد تكون محاولةً لإنقاذ قلبٍ لا نراه، وأن الشاعر قد يدفع من روحه ثمنًا لا يظهر للقارئ. لذلك فإن عدم فهم النص لا يبرر كسره، وعدم الإعجاب به لا يلغي قيمته، وتأخر قارئه لا يعني أنه بلا أثر
شكرًا لك على هذا النص الذي جعلتَ فيه الدفاع عن الشعر دفاعًا عن الإنسان وعن حقه في الصمت والبوح والنجاة. والناقدة شيماء بنت فلسطين ترى فيك شاعرًا واعيًا برسالة الكلمة، عميق الإحساس بقيمة القصيدة، وقادرًا على تحويل تجربتك الشعرية إلى دعوةٍ نبيلة لاحترام النصوص وأصحابها؛ فاستمر في الكتابة التي تمنح الشعر هيبته، وتمنح القلوب المتعبة فرصةً لأن تجد كلمةً تنقذها من الانهيار.
النص :
لا تبخسوا الشِّعر قدْرَهُ •••
•••••••••••••••••••
فقد يقضي شاعرٌ عاماً كاملاً
ليجد كلمةً واحدة تصلح أن تقال
في لحظةٍ قضى فيها رجلٌ
عمره كله صامتاً.
و قد يكتب آخر بيتاً صغيراً على هامش ورقة
ثم يأتي بعده بعشرات السنين
من يفتحه فتسقط منه
مدينةٌ كاملة.
لا تسألوا القصيدة
ماذا دفعت مقابل جمالها.
ربما كان ثمنها أباً لم يُودَّع
أو امرأةً بقي اسمها في فم الشاعر
بعد أن غاب وجهها…
أو ليلةً طويلة جلس فيها رجلٌ وحده
يستمع إلى قلبه و هو يتعلم للمرة الأولى
كيف يكون العجز لغة.
الشعر ليس كلاماً يمكن وزنه بعدد الكلمات.
إنه ذلك الشيء الذي يجعل
الحجرَ يتذكر اليد التي رمته…
و النافذةَ تشتاق إلى وجهٍ مرّ بها…
و الطريقَ يحفظ خطوات من رحل
و لا يعرف كيف يعود.
فإذا مرّت بكم قصيدة و لم تفهموها،
اتركوا لها قليلاً من الليل.
بعض المعاني تحتاج إلى أن تنضج
بعيداً عن الضوء.
وإ ذا وجدتم بيتاً لم يعجبكم
فلا تكسروه.
ربما كان الشاعر قد وضع فيه
آخر ما بقي لديه من قلبه.
و إذا رأيتم شاعراً
يكرر كلمةً واحدة فلا تضحكوا.
قد تكون تلك الكلمة هي الباب الوحيد
الذي بقي مفتوحاً بينه و بين الحياة.
الشعراء لا يملكون دائماً ما يقولونه.
أحياناً تملكهم الأشياء.
يمرّ الحزن في أيديهم فيصير قصيدة..
و يمرّ الحبُّ من أفواههم فيصير ارتباكاً …
و يمرّ الموت أمامهم فيترك على الورق
ظلَّه فقط.
فاحفظوا للشعر شيئاً من هيبته.
لا تجعلوه مسابقةً بين قصيدةٍ و قصيدة،
و لا سوقاً تعلو فيه الأصوات
لأن أحدهم صفّق أكثر.
هناك قصائد لم تجد قارئها بعد.
و هناك أبيات ستولد بعد موت أصحابها.
و هناك كلمة قد يقرؤها شخصٌ
بعد خمسين عام
فتمنعه من الانهيار.
تلك الكلمة كانت تستحق أن تُكتب.
و كان صاحبها يستحق أن يُسمع.
فلا تبخسوا الشِّعْرَ قَدْرَهُ
فأنتم لا تعرفون أيَّ قلبٍ كان الشاعر يحاول
أن ينقذه حين كتب.
زكريا شيخ أحمد