
عشوائية المرور، وسلوك سائقي السيارات السيئ، ورعونتهم في مصر فاقت كل حد وعرف، وأصبحت تهدد -بجسامة- الاقتصاد والسياحة، وقبل كل ذلك أرواح الناس التي تهدر على الطريق كل يوم. كل من أعرفهم وحضروا إلى مصر كان لهم نفس التعليق، الذي أصبح -للأسف- مادة للسخرية والتهكم. فمن المستثمر أو السائح المتهور الذي يأتي إلى مصر ليعرض نفسه لهذا الخطر؟! وتلقي الدولة المسؤولية كاملة على الشعب، وتقول ماذا نفعل مع سلوكه في القيادة؟! وكيف نحكم كل طرق مصر؟! ويلقى الشعب بدوره المسؤولية على الدولة، ويقول: لقد تركت لنا الطرق بلا رابط، ولا ضابط، ولم تخطط معظم الطرق، أو تضع علامات. والحقيقة يلام الاثنان، فكل دول العالم تلتزم بالحارات المرورية، ولا توجد القيادة الرعناء المتراقصة بين السيارات بسرعة وتهور reckless driving، ولا السيارات المخالفة في الأنوار المغلقة، أو المتهالكة، أو التي تسير عكس الاتجاه، أو “الميكروباصات” التي تتوقف في منتصف الطرق بلا إنذار، أو عند مداخل الكباري فتسدها، ولا “التكاتك” التي تمرح كالذباب في كل اتجاه، ولا “الموتوسيكلات” التي تسابقك يمينًا ويسارًا وتعرض حياة سائقيها للخطر. أصبح هذا السيرك القومي واليومي أسلوب حياة تعايش معه المصريون وكأنه لا أمل فيه ولا في إصلاحه، ورآه كل زائر خطرًا شديدًا يدل على فقدان هذه الدولة لدورها الرئيسي في حماية مواطنيها وزوارها، وفشلها في إدارة طرقها.
لذا وجب “الآن” العلاج المر والمؤلم والقاسي، الذي يجب أن يتجرعه الجميع بلا استثناء، ويبدأ بنزول عدد كبير من سيارات المرور (الظاهرة والمتخفية) بضباطها في كل حي، لمدة “شهر كامل”، لكل حي على حدة، وينتشرون في كل شبر فيه ليمشطوه تمامًا، ويسحبوا فورًا رخصة كل سائق أرعن يتراقص بين السيارات، أو يغير حارته المرورية بلا مبرر او إشارة، لمدة “سنة كاملة”، دون فرصة في التظلم أو الاستئناف، ورفع رسوم تجديد الرخصة على هذا السائق الأرعن مدى الحياة عشرين ضعفًا، مع ضرورة إلزامه بإعادة التأهيل المروري والامتحان قبل رد الترخيص إليه بعد عام من سحبه، وفي حالة التكرار تسحب الرخصة نهائيًّا بلا عودة، وكذلك السحب الفوري لكل السيارات التي بلا أنوار، أو المتهالكة، أو التي تسير عكس الاتجاه، وعدم إعادتها إلى الشارع مرة أخرى إلا بعد ٦ أشهر من الإصلاح والكشف، وإعادة الترخيص مع معاقبة السائق بسحب ترخيصه لمدة سنة كاملة. ويمكن فقط عودة الرخصة بعد ٦ أشهر، وقبل سنة، بدفع غرامة ١٠٠ ألف جنيه.
حين تفشل كل الوسائل المعتادة -كما هي الحال الآن- فإن العقاب الشديد القسوة، والمؤلم جدًّا، والرادع بصرامة، هو الحل الوحيد الذي سيعيد إلى المرور اتزانه وانضباطه، بشرط أن تخطط الدولة هذه الشوارع تخطيطًا واضحًا، وتضع علامات السرعة والتحذير المتكررة. صدقوني لو تكرر ذلك في بعض الأحياء لارتدع الجميع وخاف أن يخرج -ولو لثانية- عن آداب المرور، فحين لا يحترم القانون يجب أن تكون العصا غليظة، وغليظة جدًّا، ومؤلمة بشدة، على كل من (المربوط والسايب).
تصور أن يصبح بلدنا في مروره مثل جميع الدول التي تحترم وتحافظ على حياة مواطنيها وزوارها! فهل توافقني على هذا الحل؟ وهل ستكون هناك إرادة حقة في تطبيقه؟