رؤي ومقالات

مصطفي السعيد يكتب :فقاعات الإقتصاد الأمريكي توشك على الإنفجار

مع تجاوز الديون الأمريكية حاجز 40 ترليون دولار، وعجز في الموازنة يبلغ نحو 2 ترليون دولار سنويا، ليس أمام الولايات المتحدة سوى المزيد من الإقتراض بطرح سندات جديدة بسعر فائدة أعلى، والفائدة الأعلى سيترتب عليها العديد من المشاكل، أولها أن الفوائد على الديون سوف ترتفع لنحو ترليون و500 مليار سنويا، لتضيف أعباء ثقيلة جديدة على الإقتصاد الأمريكي المنهك، وثانيها أن الشركات المقترضة ستعاني من العبء الجديد، وأخطر الأعباء ستكون على قطاع العقارات، وتمتد إلى قطاعات أخرى مثل التكنولوجيا وغيرها.
أضافت أزمة انهيار الين الياباني أوجاع جديدة للإقتصاد الأمريكي، فاليابان المستثمر الأول في السندات الأمريكية، بنحو ترليون و400 مليار دولار، ولم يكن أمامها إلا بيع جزء مما تمتلكه من سندات أمريكية لإنعاش الين، واعترضت الولايات المتحدة، وقالت إنها ستساعد اليابان بشراء الين مقابل بيع كمية من اليورو الأوروبي، وبالفعل انتعش الين الياباني قايلا ثم عاد إلى الهبوط، لأن جرعة الشراء باليورو لم تكن كافية لإنعاشه، واضطرت اليابان إلى اتخاذ إجرائين موجعين للسندات الأمريكية، الأول بيع جزء من السندات، والثاني رفع سعر الفائدة على السندات اليابانية، والإجراء الأخير كان الأصعب، فسعر الفائدة في البنوك اليابانية كان صفرا أو قريب من الصفر، ولهذا اتسع اقتراض الأفراد والشركات من البنوك اليابانية، وإيداع الأموال في السندات والبنوك الأمريكية، ليحصلوا على الفوائد، واندفعت الأموال اليابانية إلى الولايات المتحدة، وبالإجراء الجديد برفع الفائدة على السندات اليابانية ستعود الأموال إلى اليابان، وتنسحب الأموال الساخنة من الولايات المتحدة لتزيد من حدة أزمتها.
دخلت شركات التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي الأمريكية على طريق الإقتراض، وطرحت سندات باسمها، لتنافس السندات الحكومية التي لا تجد من يشتريها، وسيؤدي زيادة الطلب على الإقتراض إلى رفع إضافي للفوائد، وتتعمق الأزمة أكثر فأكثر.
الدول الأكثر امتلاكا للسندات الأمريكية بعد اليابان هي بريطانيا والصين وكندا، وتعاني بريطانيا من أزمة ديون حادة هي الأخرى، ولا يمكنها مساعدة الولايات المتحدة بضخ استثمارات جديدة في السندات الأمريكية، بل غالبا ستضطر هي الأخرى لبيع بعض ما تحوزه من سندات. والصين في صدام عنيف مع الولايات المتحدة، وبينهما حرب تجارية، وتتخلص الصين من السندات الأمريكية تدريجيا، وبعد أن كانت المشتري الأول للسندات، وكانت تحوز ترليون و500 مليار من السندات، باعت في السنوات الأخيرة سندات بقيمة تتجاوز 800 مليار دولار، وأصبحت تمتلك الآن سندات بنحو 650 مليار دولار فقط، وتواصل التخلص منها، وتشتري الذهب بدلا من السندات الأمريكية. أما كندا فقد اشتعلت الخلافات الحادة بينها والولايات المتحدة، وتبادلا فرض رسوم جمركية كبيرة في أشد حرب تجارية بين البلدين الجارين.
هذا الوضع الخطير للسندات الأمريكية لا يمكن الخروج منه إلا بما يسمى سياسة “القمع المالي”، وهو أن تخفض الولايات المتحدة الفوائد إجباريا، مع اللجوء إلى طباعة التقود”، ومن شأن “القمع المالي أن يحرق الكثير من الديون، ومعه تتبخر الكثير من أموال المودعين وغيرهم في موجة تضخم عارمة
المؤشر الخطير الآخر عن قرب انفجار فقاعة السندات الأمريكية أن وزارة المالية التي تأتيها أموال بيع السندات لتمويل الموازنة اتخذت خطوة غريبة وهي شراء السندات، أي أن من يبيع السندات هو المشتري، لماذا؟ محاولة يائسة لانعاش سوق السندات، وهذه الحيلة اليائسة نادرا ما تؤدي إلى أي إنعاش، بل تزيد من مخاوف شراء السندات.
وزير المالية الأمريكي سكوت بيسنت يقر بتلك الأزمة، ويرى أن المنظومة المالية تعاني من شروخ وتشققات يصعب إصلاحها، وتحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية. ولم يوضح بيسنت ماذا يمكن فعله، وإن كان قد أشار إلى وقائع تاريخية عن إجراءات حادة، منها ما فعله الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون بوقف ربط الدولار بالذهب، وما أنقذ الدولار بعد هذا القرار الخطير أن جرى ربط بيع النفط بالدولار، ليظهر ما يسمى “البترودولار أو الدولار النفطي”، لكن هذا الإجراء ينقلب الآن، وبدأت دول رئيسية منتجة للنفط لبيع الدولار بعدة عملات من بينها اليوان الصيني، ليفقد الدولار السند الرئيسي لتربعه على عرش العملات.
إن الولايات المتحدة أمام خيارين كلاهما صعب، فإما أن تواصل رفع الفائدة على السندات بما ستجره من آلام على قطاعات الإقتصاد الأمريكي وزيادة الديون وأعبائها وموجة من التضخم المفرط. والخيار الثاني أن تضحي بالدولار، وتبدأ في الطباعة المفرطة، وبالتالي ينهار الدولار عصب الإقتصاد الأمريكي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى