رؤي ومقالات

السفير أحمد مجاهد يكتب :”ستة أشهر من الحرب: الصراع الإيرانى باعتباره لعبة ذات مستويين

بعد ستة أشهر من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران فى ٢٨ فبراير، لم تصل الحرب إلى نصر حاسم ولا إلى تسوية. وبعد هدوء نسبى، عادت الضربات والردود، ووصل التصعيد مجددا إلى محيط جزيرة خرج، أهم مركز لتصدير النفط الإيرانى.
لماذا يصعب الخروج من الحرب رغم أن الجميع تقريبا أصبح يبحث عن مخرج؟
يساعد مفهوم “اللعبة ذات المستويين” Two-Level Game، الذى قدمه روبرت بوتنام عام ١٩٨٨، فى فهم ما يحدث.
الفكرة ببساطة أن الدول لا تتفاوض على طاولة واحدة، بل على طاولتى مفاوضات فى الوقت نفسه. طاولة الخارج: حيث تتفاوض مع الخصم، وطاولة الداخل: الرأى العام، والجيش، والمؤسسات، ومراكز القوة، والانتخابات. والمشكلة أن الاتفاق الذى يمكن قبوله على الطاولة الأولى قد يصعب للغاية تمريره على الثانية.
وهذا ما يحدث الآن.
فهناك بالفعل عناصر يمكن بناء صفقة حولها: مضيق هرمز، والبرنامج النووى والصاروخى، ووقف الهجمات، والعقوبات، وضمانات عدم العودة إلى الحرب.
أى إن المعضلة ليست فى غياب الصفقة الممكنة، بل فى قدرة كل طرف على الدفاع عنها فى الداخل.
فترامب لا يمكنه بعد ستة أشهر من الحرب أن يعود باتفاق تستطيع طهران أن تطلق عليه انتصارا. وفى المقابل، لا يمكنه تجاهل رأى عام أمريكى تزداد شكوكه فى الحرب قبل انتخابات التجديد النصفى. لذلك يزيد الضغط الاقتصادى الخانق على إيران.
لكن هنا تبدأ المفارقة.
فكلما اشتد الضغط على إيران، اقتربت موضوعيا من ضرورة التسوية لتجنب خروج المواطنين ضد النظام. لكن كلما اقترب الخطاب الأمريكى من رسائله الهادفة لتغيير النظام، ضاقت أمام نظام الحكم الإيرانى سياسيا مساحة التنازل، لأن القضية لم تعد مرتبطة بالبرنامج الإيرانى النووى أو الصاروخى، بل ببقاء النظام نفسه. وقد عززت الحرب كما رأينا وزن الجناح المتشدد فى الحرس الثورى والأجهزة الأمنية، فى مقابل الرئيس بزشكيان الذى يدفع فى اتجاه التفاوض.
وبالإضافة إلى الوسائل العسكرية، تنوع أمريكا أوراق الضغط من الدولار والعقوبات إلى الحصار البحرى، ولكن إيران بدورها تستخدم أفضل أوراقها وأكثرها تأثيرا: الجغرافيا. فلديها مضيق هرمز. ومن خلاله يمكنها أن تجعل الاقتصاد العالمى -وفى قلبه الاقتصاد الأمريكى نفسه- يدفع جزءا من ثمن خنقها.
وفى إسرائيل، هناك طاولة داخلية أيضا. نتنياهو مقبل على انتخابات ٢٧ أكتوبر، وسيصعب عليه قبول اتفاق يمكن تصويره باعتباره منح إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها. وحتى صعود جادى آيزنكوت لا يعنى بالضرورة سياسة أكثر ليونة. الخلاف هناك حول كيفية منع عودة التهديد الإيرانى أكثر منه حول ضرورة منعه.
ويأتى الخليج إلى المشهد بطاولة مفاوضات داخلية رابعة، ولكن مشكلته مختلفة. فدوله لا تحتاج إلى تحقيق انتصار حاسم لطرف على آخر بقدر حاجتها إلى استعادة الدرجة المعتادة من الأمن الإقليمى والقدرة على التنبؤ، وهما العنصران الرئيسيان اللذين بنت عليهما دول الخليج نموذج الحكم فائق الاستقرار ونموذج الدولة فائقة الجذب للعمالة الأجنبية وسردية قصص النجاح على مدار العقود الخمسة الماضية.
وهنا أيضا تعمل اللعبة على مستويين. فنعم.. تعتمد حكومات الخليج على المظلة الأمنية الأمريكية وتريد احتواء القوة الإيرانية.. لكنها فى الوقت نفسه مطالبة فى الداخل بحماية النمو والاستثمار وبرامج التحول الاقتصادى، وتعلم أن إيران باقية وأمريكا ستغادر يوما ما، كما إن ما اتضح خلال العام الأخير من أولوية حماية أمن إسرائيل لا أمن الخليج عند صاحب القرار الأمريكى لابد أنه قد أثار الكثير من النقاشات داخل أروقة الحكم وفى الشارع الخليجى
الخلاصة أن السلطات الحاكمة فى دول الخليج -على اختلاف أحجامها وتوجهاتها ومصالحها- رغم حرصها على مراعاة واشنطن -وهو أمر يمكن تفهمه- فإنها حريصة على مراعاة إيران أيضا -وهو ما يمكن تفهمه ايضا-، ولكنها مطالبة كذلك بالاستجابة لشواغل وقلق الرأى العام الداخلى، الذى يهمه منع واشنطن وطهران وإسرائيل من تمويل صراعها الاستراتيجى من استقرار دول الخليج واقتصاداتها ورفاهة مجتمعاتها.
الخلاصة أنه عند كل ضربة أو رد أو مبادرة تفاوضية، علينا أن نسأل سؤالين: ماذا يريد الطرف من خصمه؟ ولكن أيضا: ماذا يريد أن يقول للداخل، الذى يستمد منه شرعيته؟
هنا يظهر مأزق الحرب بشكل جلى.
فالمسألة ليست مجرد التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران. بل إيجاد صيغة يمكن لترامب تقديمها كانتصار، ولطهران باعتبارها صمودا لا استسلاما، ولا تمنح إسرائيل مبررا أو فرصة لإفشالها، ويطمئن الخليج إلى أنها نهاية للحرب وليست استراحة قبل جولتها التالية.
المفارقة أن تصاعد الضغوط يجعل الأطراف أقرب إلى التسوية من حيث الحاجة، وأبعد عنها من حيث القدرة السياسية على قبولها.
وهذه هى اللعبة ذات المستويين: قد يكون مخرج الحرب موجودا بالفعل على طاولة مفاوضات الخارج، بينما تظل المشكلة فى العودة به وتسويقه فى الداخل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى