كتاب وشعراء

هذيان الفرعون الأخير…..بقلم أحمد نصر الله

لن أدعكِ تفلتين من بين أصابعي؛
مصيركِ مرتبطٌ بخطوط كفي،
أنتِ لي من قبل أن تكوني.
ينظر في عينيها الدافئتين،
وهي ممدةٌ أمامه في عراء كامل.
لا تجيبه بشيء،
كأنها لم تسمعه من الأساس.
يستطرد في خيلاء:
لماذا أنتِ مندهشةٌ أمام تياراتي الآتية من كل اتجاه؟
محاطةٌ بي.. من شروق الشمس
حتى الصرخة الأخيرة خارج أسواركِ العالية.
إن فكرتِ مرة في اقتراف الغياب،
أو الهروب بعيداً عن أصابعي،
فكل السبل أنا منتهاها،
وكل الوجوه تفضي إلى سخريتي من رحيلكِ.
أنا الاختيار الوحيد،
والاحتمال المرجح،
وفرصتكِ الأخيرة،
ونقطةُ الضوء الوحيدة في آخر السرداب.
ليس بإمكانكِ سوى الرضوخ لسلطتي
والتسليم المطلق لسيادتي.
تتنهد في خفوت،
تحبس انفعالاتها الداخلية بعيداً عن عينيه الخبيرتين،
وتستكين مبتسمة في إغضاءة غامضة.
فيستطرد مزهواً:
هكذا تضحين في ذاكرة اللبلاب جدول ماء،
وفي صوت العنادل أماني الربيع،
وفي عيون الأطفال حلوى ليلة الميلاد.
إن لم تقاومي،
فيمكنكِ النجاة بكواكبكِ وأقماركِ وعطوركِ
من قبضة الطوفان،
ومن بين أنياب الغول،
ولن تكوني وجبة دسمة على مائدة قرصان.
وسيكون لديكِ ما يكفي
لشراء نهرٍ دون ضفاف،
وذممٍ لا حصر لها،
وأفواه تبايعكِ كل طلعة وهم.
واضعاً بين يديكِ غابات لا تدخلها الشمس،
وحقولاً لا نعرف أسماء لها،
ونجوماً تتغنى بطول قامتكِ وجمال عينيكِ.
تتململ قليلاً في مجلسها،
تمر بها الوجوه المشرقة، وجهاً بعد وجه،
فتتحاشى النظر في عينيه مباشرة.
ترتفع نبرة صوته، وتصير أكثر حدة،
محاولاً إلهاءها بعصفورة الربيع المشاغبة،
أو بالألعاب النارية،
أو بقراصنة الوقت على شرفات حلم لا يأتي.
يقول بنبرة ممسوسة:
إن النداهة خبيثة، تسحبكِ نحو المستنقع،
وإن أخدوداً رهيباً يحفرونه في طريقكِ،
وإن ثمة ذئاباً لن تدع لعطرنا الفرصة في غزو العالم.
الجنة مباحة لكِ،
بقطافها وقصورها وغلمانها وحورها.
لكن.. لا تحدثيني عن العصافير العطشى لسنابل الشمال،
ولا البحارة الذين صفعهم الليل بمخالبه.
وحاذري من جنادل الوعي، وخنازير الكلام.
فكل ما سيطرحه النهر لن يزيد الوهم إلا سراباً هشّاً،
ولن تبقي للطريق تحت أقدامكِ خياراً للسهل أو للوادي،
وستدخل كل الأرانب في دوامة «ليت» التي لا ترحم.
تنظر إلى البعيد دون أن يهتز لها جفن،
واجمة كصخرة تلتقط الورد المدمّى على الطرقات،
والياسمين المستباح في الساحات.
يمر بها طيف العطر الملقى خلف أسوار الطغيان.
يلاحظ شرودها،
فيضع يده على كتفها بقوة،
تتسارع أنفاسه ويتعاظم شكه:
أنا القدر الذي راوغتِ للهروب من شباكه!
أعلم بما تفكرين الآن،
وعما يتحدث به نهداكِ عني من وراء ظهري.
أعلم عدد العيون المزروعة على امتداد السواحل،
وعدد الآذان المتربصة تحت سرتكِ،
والعساكر المنتشرين من شفتيكِ وتحت مرتفعات صدركِ.
وأعلم أسماء قادة الحرب في معسكركِ،
وما كان يدور برؤوس الذين ماتوا على أعتابكِ،
وما كان ينوي الكهنة فعله في ملابسكِ الداخلية.
أعلم كل شيء يدور في رأسكِ وتحت جلدكِ،
وأستمع لكل هاجس يأتي من الشمال،
وكل خاطرة تنطلق من الجنوب.
لن تجدي أحداً في هذا الكون.. يستحقكِ أكثر مني!
يقف فجأة أمامها،
ينظر إلى جسدها الطازج، وهو يضغط على شفتيه:
الحب والحرب قرينان.
الذي يربطنا أهم من الحياة ذاتها.
نجاتكِ من ناري مستحيلة،
والذي يحدثكِ عن الصباح بعيداً عن شموسي واهم،
والذي يعدكِ بالحرية بمنأى عن أغلالي سفيه.
أنا أهم رجل في حياتكِ،
والفرعون الأخير الذي تمكن من رفع راياته على ضفافكِ،
بمباركة حشد من حبات الجمان على جبينكِ.
يلقي بكل أوراقه أمامها،
وشعور عميق في داخله يتنامى
بأن ثمة أغنية حزينة تدق في واد بعيد،
تسحب نهاره من أوردتها.
يرصدها،
وشفتاه تنهلان الشهد التاريخي من ذراتها.
لم تلتفت لكل فزاعاته،
وإنما كانت مشدودة بالكامل لهذا النغم الحزين،
الآتي من الأغوار السحيقة.
وها هي تتقلب أمامه،
وفي داخلها.. يتعاظم البحر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى