
بعض الرجال يرثون عن آبائهم المال، وبعضهم يرث الاسم، أما خالد جمال عبد الناصر فقد ورث ما هو أثقل من الاثنين: تاريخًا كاملًا.
وُلد خالد في 25 ديسمبر 1949، في بيت لم يكن بيتًا عاديًا؛ كان بيت جمال عبد الناصر، الرجل الذي أصبح بعد سنوات قليلة رئيسًا لمصر، وقائدًا لثورة غيّرت وجهها، وصاحب مشروع تجاوز حدود الوطن ليترك أثره في العالم العربي.
كان خالد الابن الأكبر، وعاش طفولته وشبابه قريبًا من أبيه، ورأى من داخل البيت لحظاتٍ لم تكن مجرد تفاصيل عائلية، بل كانت أجزاءً من تاريخ مصر الحديث. ثم جاء 28 سبتمبر 1970، اليوم الذي رحل فيه جمال عبد الناصر.
كان خالد يومها في الحادية والعشرين من عمره؛ شابًا فقد أباه، لكنه فقد معه أيضًا مرحلة كاملة من تاريخ بلاده.
لم يحاول خالد أن يرث سلطة أبيه، ولم يسعَ إلى تحويل اسم عبد الناصر إلى طريق للنفوذ.
اختار العلم طريقًا له؛ درس الهندسة المدنية في جامعة القاهرة، ثم حصل على الدكتوراه في تخطيط النقل من الإمبريال كوليدچ في لندن، وعمل أستاذًا بكلية الهندسة في جامعة القاهرة.
لكن الابتعاد عن السلطة لم يكن يعني بالنسبة إليه الابتعاد عن السياسة.
في عهد أنور السادات، وقف خالد في الجانب الآخر من التحولات التي كانت تعيد تشكيل مصر. رفض سياسات الانفتاح، واعترض على الاتجاه الذي أخذته السياسة المصرية بعد حرب أكتوبر، ثم أصبح موقفه أكثر حدة بعد زيارة القدس واتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل.
كان يرى أن مصر تنسحب تدريجيًا من الدور الذي أراده لها جمال عبد الناصر، وأن ما يحدث لم يكن مجرد تغيير في بعض السياسات، وإنما قطيعة مع جانب أساسي من المشروع الناصري الذي آمن به والده ودافع عنه.
واستمر موقف خالد المعارض خلال عهد حسني مبارك، ليصبح أحد الأسماء المعروفة في التيار الناصري، من دون أن يتحول إلى صاحب منصب، أو يسعى إلى بناء نفوذ سياسي مستندًا إلى اسم أبيه.
ثم جاءت في أواخر الثمانينيات قضية تنظيم «ثورة مصر»؛ ذلك التنظيم السري المسلح الذي ظهر اعتراضًا على الوجود والنشاط الإسرائيلي في مصر وعلى مسار التطبيع، ونفذ عمليات مسلحة استهدفت دبلوماسيين إسرائيليين وأمريكيين.
اتُّهم خالد بزعامة التنظيم، وغادر مصر، وعاش عدة سنوات في يوغوسلافيا، قبل أن يعود إلى القاهرة ويمثل أمام القضاء، لتنتهي محاكمته إلى تبرئته.
ومهما أثارت هذه الواقعة من جدل، فإنها تظل فصلًا من حياة خالد جمال عبد الناصر، وليست حياته كلها.
فالرجل الذي حمل اسم جمال عبد الناصر لم يتحول إلى وريث سياسي لأبيه. ظل مهندسًا وأستاذًا جامعيًا، وتمسك بموقفه الناصري في زمن تغيرت فيه مصر والمنطقة، ودفع ثمن مواقفه السياسية من حريته واغترابه، ثم عاد إلى وطنه ليعيش بقية حياته بعيدًا عن المناصب والأضواء.
وفي 15 سبتمبر 2011، أُسدل الستار على حياة خالد جمال عبد الناصر، بعد صراع مع المرض، عن عمر ناهز 62 عامًا.
وكان يفصل العالم أحد عشر يومًا فقط عن الذكرى الحادية والأربعين لرحيل أبيه.
رحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، ورحل خالد في 15 سبتمبر 2011.
أكثر من أربعة عقود فصلت بين الرحيلين، لكن شيئًا واحدًا لم ينقطع: خيط الاسم، وخيط الذاكرة.
وفي مشهدٍ يختصر العلاقة التي ظلت تربط خالد بوالده حتى اللحظة الأخيرة، خرجت جنازته حاشدة من مسجد وضريح جمال عبد الناصر، واحتشد حوله محبون وناصريون وأصدقاء ورفاق، في وداعٍ لم يكن وداعًا لابن رئيسٍ سابق فحسب، وإنما لرجلٍ ظل طوال حياته يحمل اسم أبيه، ويحتفظ بموقعه داخل الذاكرة الناصرية والوطنية.
كان المشهد الأخير في حياة خالد يحمل دلالة خاصة؛ فمن المكان الذي يضم ضريح جمال عبد الناصر، انطلقت جنازة ابنه الأكبر، وكأن المسافة بين الأب والابن، التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، قد انتهت أخيرًا عند المكان نفسه.
لم يرث خالد جمال عبد الناصر عرشًا، ولا سلطة، ولا ثروة سياسية.
ورث اسمًا كان أثقل من كل ذلك.
اسمًا فتح له أبوابًا، لكنه أغلق عليه أبوابًا أخرى. اسمًا وضعه دائمًا تحت المجهر، وجعل كل خطوة يخطوها، وكل موقف يتخذه، يُقرأ من خلال أبيه.
كان خالد ابن جمال عبد الناصر، لكنه اختار أن يصنع لنفسه طريقًا خاصًا. وحين اختلف مع الزمن الذي جاء بعد أبيه، لم يتخلَّ عن قناعاته بحثًا عن حياة أكثر راحة، ولم يحوّل اسم والده إلى سلّم يصعد به إلى السلطة.
ظل يحمل الاسم، ويحمل معه ذاكرة الأب والمشروع والمرحلة التي انتمى إليها وجدانيًا وسياسيًا.
ثم رحل.
رحم الله خالد جمال عبد الناصر.