كتاب وشعراء

ثمّة كلمات… أيمن معروف / سوريا

ثمّة كلمات ،
تحرّكُ الأشياء . تُدهش في عناقها الجميل
وهي تتكثّف في الشّيء وتتماهى فيه
فتؤبّده ، وكأنّ الكثافة في الكلمات
هي الزّمن .

ثمّة كلمات ،
هي كالمرايا تتعدّد وتتوقّد فتبعث أشواقها
في الانعكاس الّذي يطبع ، شكل الذّات ،
ويؤكّده . وكأنّها جزء من
عمل الطّبيعة .

ثمّة كلمات ،
تفرك الرّوح . تتدخّل في حياكة المصير
وتُعَلِّمُنا كيف نتألَّمَ بوضوح ثمّ تتركنا
نتدرَّبُ على غموضِ الفرحِ ،
وحدنا .

وثمّة كلمات ،
مبلّلة بالحنين تسافر في الغابات والأحراش
والأيّام . تمسح على وجوهنا في التّيه
وتأخذنا .. وتسافر فينا .. وتدلّنا ..
على البيت .

وثمّة كلمات ،
معجونة بالضّوء تشرح في اللّيل أسرار النّهار
وفي يدها ، وهي تعبر الحقول ، زهرة
النّار تقدح في الطّريق ،
شرارة العالم .

ثمّة كلمات ،
كلمات ، كأنفاس الرّبيع متّشحة بالخضرة
ترتق في اكتحالها البديع في النّدى
ذلك القميص المقدود
في القصائد .

كلمات .. ،
كلمات .. كلمات . قاسية وهادئة وصارخة
وقاتلة. مجنونة ومتّزنة وحادّة . كلمات
تجرح .. وتشفي .. وتضيء ..
وثمّة كلمات تُلفِت القلب .

***

ثمّة من يحاول
أن يقنعنا دائماً أنّ ما يجري في الرّواية
هو حريق واقعي وأنّ ما يجري في
الشّعر مجرّد وهم

وثمّة من يحاول
أن يقول أنّ عصب الرّواية هو باستمرار
مرضُ الحنين وأنّ عصب الشّعر ليس
سوى أشواق للتراجيديا

وثمّة من يقول إنّ
الرّوائي يتّكئ في الكتابة على التّفاصيل
ويتحصّن في أبراج الذّاكرة ليلخّص
عالمه في حكاية

بينما الشّاعر يتّكئ
على الفواصل المزمنة الّتي ترشح عن الذّات
ويقيم علاماته على بئر النّسيان ليتحصّن
في حدود الإشارة والرّمز

وثمّة من يقول أنّ
الرّواية استدعاء بهيج لبانوراما العالم إلى
حقول الكتابة باعتباره تأكيداً للذّات

وأنّ الشّعر مروحة أيّام
تصفق الهواء لتأبيد الذّات في العزلة أو
الامّحاء

في الحكاية أو الأغنية .
في الرّواية أو الشّعر . الكتابة تحدث .

تحدث في الفهارس والعناوين .
في المتن أو الهامش .

في الحكاية أو الأغنية .
في النشيج أو النشيد . في الإيقاع أو النّص .
الكتابة ، قبو سرّي ومعتم .

قبو معتم وعميق
يجعلك تخدش ، بأظافرك ، لحم الظلام ،
وتصرخ ،: أنا ما زلت حيّاً .

عراك نجوم . عراك نيازك .
عراك تحتدم فيه المجرّات وتنتحر وتضيء .

زَغَبُ نيران في الأحراش
يشقّ طريقه بقوّة ليصنع وجه النّهار .

قصبٌ مثقوب . قصب
تحرّكه نسمة فيهتزّ ، وينزّ من أحشائه
أنين ناي .

كما لو على حافة .
كما لو أنّك تلتفت على عشبة في الحريق
وآخر ما تريد أن تراه . تلك هي الكتابة .

تلك هي الكتابة .
ما يريد أن يقوله المطر في هطوله .

***

في المساء تجلس
القصيدة تراقب الضّباب ، والأيّام ، والعدم

تفعل الشيء ذاته
في الصّباح مع فنجان قهوة ، بصمت

الشعراء بعرباتهم
المجلجلة وأسمالهم يفتّشون في الأزقّة
عن المادّة الخامّ للنّصّ

ويجرّبون في الوحشة التّامّة
عند أدراج اللّيل وعلى ضفاف الأنهار وفي
الحانات أن يصقلوا في الهدوء
لمعة الصّوت

يلهون في تفسير الطّحالب
على تلك الصّخور المسنّنة ، للشاطئ

ويتفحّصون الحصى
وهم يبحثون عن الحجر النادر الّذي يشعّ
تحت عين الشّمس

القصيدة تكمل
فنجان قهوتها ، ولا تلتفت ومتى حلّ المساء
تذهب إلى شغلها تقشّرُ في اللّيل
حبّة الضّوء

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى