أسهامات القراء

د. يونس ناصف يونس يكتب :​قانون السوشيال ميديا

​السوشيال ميديا.. ميزان العدل الجديد أم مقصلة السمعة؟
​تبدأ الحكاية من شاشة صغيرة بين أيدينا، حيث يتحول منشور عابر فجأة إلى كرة ثلج تتدحرج لتصنع ما نسميه “الترند”. وفي قضية الكاتب محمد طاهر، مؤلف مسلسل “فخر الدلتا” المثارة حالياً، نجد أنفسنا أمام مشهد درامي تجسدت فيه قوة السوشيال ميديا وقسوتها في آن واحد؛ حين بدأت حسابات منسوبة لفتيات في كسر حاجز الصمت، وسرد شهادات صادمة مصحوبة بلقطات لمحادثات خلقت حالة من الذهول العام، خاصة أن المتهم كان يقدم وجهاً تربوياً يدعو للحب والاحتواء الأسري، مما جعل الصدمة مضاعفة لدى الجمهور الذي شعر بالتناقض الصارخ بين المبادئ المعلنة والاتهامات الموجهة.
​وهنا تظهر الميزة الكبرى لوسائل التواصل كمنصة لمن لا صوت لهم، وقوة ضاغطة لاسترداد الحقوق، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن وجهها المظلم حين تتحول إلى “محكمة شعبية” تصدر أحكاماً بالإعدام المعنوي قبل أن تنطق منصة القضاء بكلمتها. ولقد رأينا كيف ارتبكت الحسابات المهنية بقرار استبعاد اسم المؤلف من تتر المسلسل كإجراء احترازي يعكس خشية المؤسسات من “المقاطعة الرقمية” وغضب الجماهير الافتراضي. وفي المقابل، وقف المتهم يدافع عن سمعته مطالباً بالاحتكام للقانون والنيابة بدلاً من الانسياق وراء شاشات قد تزيف الحقائق أو تضخمها.
​ومن هنا يأتي دورنا كبشر عاديين في هذا العالم الرقمي المزدحم؛ حيث لا ينبغي أن نكون وقوداً لنار تشتعل دون بينة، فالمسؤولية الأخلاقية والدينية والاجتماعية تقتضي منا التريث وعدم الانجراف خلف العاطفة الجماعية، سواء بالهجوم الكاسح أو الدفاع المستميت، بل يجب أن نتبنى منهج “التبين” والوعي بأن الحقيقة قد تضيع وسط ضجيج الإعجابات والمشاركات. علينا أن ندرك أن دعم الضحايا ومحاربة التحرش هو مبدأ إنساني أصيل، لكنه لا يتطلب منا ظلم إنسان قد تثبت براءته لاحقاً، ولا تبرئة مذنب قد أفسد حياة الآخرين. فالوعي الحقيقي يكمن في مراقبة المشهد بعين فاحصة وانتظار كلمة العدالة الرسمية، لتظل السوشيال ميديا أداة للبناء وكشف الفساد، لا وسيلة لهدم الأرواح والبيوت بلا دليل قاطع؛ فالحق لا يُنصر بالباطل، والعدل لا يستقيم بالاندفاع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى